الجمعة 19 رمضان / 24 مايو 2019
11:00 ص بتوقيت الدوحة

خواطر عن العيد والبيت

خواطر عن العيد والبيت
خواطر عن العيد والبيت
حكى لي صحافي سوداني، عمل في الخليج، ثم لفترة طويلة في لندن، وجاب كل أنحاء العالم، أنه قد توهم لبعض الوقت إمكانية تحقيق فكرة عالمية الإنسان بلا حاجة للارتباط ببقعة دون أخرى، ثم سقط عنه هذا الوهم عندما عاد للوطن، وزار قريته الصغيرة في شمال السودان.. كان الوالدان قد رحلا، كما رحل أقارب كثر.. يقول الصحافي العائد: توجهت لبيتنا فوجدت الدار خالية، وباب البيت مغلقاً، فبكيت، وكاد صاحبنا يبكي ثانية بعد أن استعاد المشهد.
تبدل حال البيت كثيراً بتغير الأحوال الاجتماعية، فقد كان للبيت رونق خاص في العيد، حين كان العيد مناسبة لزيارات مكثفة. كنا في زمان سابق نلتقي في ساحة المصلى الفسيح نتبادل التهاني، ثم ندلف إلى بيوت من قابلناهم عند المصلى، فلا نجدهم في بيوتهم، إذ يكونون غالباً قد (عقبونا) في بيوتنا.. كان البيت مكاناً للسكن وللزائرين، لكن البيت لم يعد البيت الذي كنا نعرف، وأخص الحضر حيث تبدلت الحياة، وأصبحت البيوت مثالاً يجسد تحولاً اجتماعياً كبيراً طرأ على المجتمع.. نويت زيارة أحد أقربائي في العيد، لكنه فاجأني أنه لا يقضي يوم العيد في منزله، إذ يقضي اليوم الأول عادة في «حديقة القرشي» مع خؤولته ذوي الأطراف المتشابكة، فقد اتفقوا منذ سنوات على اللقاء في هذا المكان الذي يناسبهم جميعاً.. لا بد أن يكون هؤلاء قد تعبوا كثيراً من الطريقة القديمة، حيث يتزاورون بطريقة أقرب إلى لعبة الكراسي، أو أن يظل جلهم حبيسين في بيوتهم ينتظرون واحداً كان قد أبلغهم أنه في طريقه إليهم.. البيت القديم راح، فلا عقد زواج أمامه، ولا حفل عرس في حوشه، وأخيراً لا زوار في العيد، خاصة في مدينة يكون فيها بعض الأقارب في الحلفايا، وآخرون في الصحافة، وأمبدة، والحاج يوسف، فلا حل غير اللقاء في الساحة الخضراء، أو على شاطئ النيل الأزرق السعيد، كما يقول الأستاذ السر قدرور.. أين الديوان الكبير، وأين الحوش الفسيح؟ سوف تصبح كلها قريباً ذكرى من الماضي، ووصية لا يسمعها أحد من الفنان الشعبي، وهو يردد «بوصيكم على البيت الكبير اشروه».
الدراسات الاجتماعية من أمتع الدراسات، والبيت من مجسدات التحولات في المجتمع، ومن مظاهر التداخل الدرامي بين الأوضاع الاقتصادية والقيم الاجتماعية.. يكون ممتعاً تتبع مجتمع استقر الفرد منه في غرفة واحدة، ثم تتبع الحالة حتى مرحلة الغرفتين، ومتى تحولتا إلى معكوستين، ولماذا أصبح الرجل يبني بالطوب الأحمر، بعد أن كان يبني بالطين، ومتى بنى كبار القوم الديوان الكبير حتى صار من معالم البيت السوداني.. وفي مرحلة تالية تقلّص البيت ليسع الأسرة الصغيرة وحدها، حتى ولو كان رب الأسرة مقتدراً.
البيوت في السودان تبني بالطين والطوب والبلوك والمسلح، فهل في الإمكان بناء البيوت من الخشب، كما في بعض أقطار آسيا؟ كله جائز، فقد يوحي الله تعالى بخيارات جديدة كثيرة، كما أوحى إلى النحل «أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.