السبت 20 رمضان / 25 مايو 2019
10:32 ص بتوقيت الدوحة

جزيرة الكتب

وحدث المستحيل (1)

وحدث المستحيل (1)
وحدث المستحيل (1)
الجمادات تتحدث، الأشجار تضحك، الأخلاق تبدي رأيها، القطط تعترض دائماً على الأحداث، والطيور تحكم على الغير، كلها مستحيلات لكنها حدثت وتحدث، نعم تحدث في الكتب، ففيها وحدها يتجسد المستحيل، وبين أسطرها، تُخلق لنا أجنحة، وعندما يتجسد المستحيل، تبدأ أسئلة ماذا لو؟ ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟
مع المستحيل، نبدأ رحلة ممتعة مليئة بالأسئلة والاستفسارات، وهذا ما يميز الأدب، فهو يثير المياه الراكدة، ويزيل الغبار المتراكم، ويخضع كل شيء للمحاكمة.
إن استخدام هذا الأسلوب صعب، لأنه إما يفشل بجدارة أو ينجح بامتياز، والخيار الثاني هو ما حدث مع صاحب الإبداع، المتمكن من أدواته، ومن يكتب لأنه يحب الحرف والقلم، لا التكلف والصنعة، ألا وهو خوسيه سارماغو.
الروائي في هذا النوع يحلم ولا حدود لحلمه، وفي المقابل المطلوب منك كقارئ أن تعرف كيف تحلم، وتتحرر، أهم شروط قراءة مثل تلك الروايات، أن تكون قادراً على كسر كل ما يقيد تفكيرك، وتعطي نفسك الحرية، إذا كنت مستعداً لنبدأ رحلة المستحيل.
مستحيلات رواية انقطاعات الموت، رواية بطلها موت، وهو يقرر التوقف عن مزاولة عمله، فلا يموت أحد، وهنا تبدأ المشاكل والمصادمات بين البشر، فمنهم من توقع موت شخص ورتب حياته على ذلك، ولكن خاب ظنه، ومنهم من لم يناسبه انقطاع الموت لأن معتقداته الدينية سوف تُنسف، في هذه الرواية ننتقل من بيت إلى آخر وكلهم ينتظرون الموت لكنه لا يأتي، فماذا سيفعلون؟ وهنا يتخلى الموت عن صمته، ويقرر وضع شروط العودة، ثم تتوالى الأحداث.
الرواية ليست غريبة في حبكتها فقط، إنما غريبة في السرد الروائي، والحوارات والأشخاص، وشكلها العام، فلا عناوين أو فصول، ولا أسماء، هي رواية بدأت جذابة من أول سطر، عندما قال: «في اليوم التالي لم يمت أحد»، إلى نقطة النهاية، فبعد قراءتها تبدأ الأسئلة، كيف، ولماذا، وماذا سيحدث للبشر، والموارد والعلاقات، وهذا بالضبط ما أراده المؤلف، أن يربطنا بقصته، وقد حدث له ما أراد، ثم أخذ يواصل صدمتنا بكيف قد يفكر الإنسان إذا انقطع الموت عن العمل، وكيف تتساقط أقنعة الزيف التي نرتديها، وما حقيقة علاقاتنا.
مثل ذلك الأمر لن يحدث، ولكن طرح مثل تلك الفرضية، يفسر لنا طبيعة النفس البشرية، وحقيقتها بعيداً عن الألوان الزائفة، فهو يستعرض موقفاً إنسانياً يلامس القلب، وهي لحظة الموت، ثم يكشف جانباً آخر من تفكير الإنسان بتخيل حدوث العكس.
في هذه الرواية يعتمد المؤلف تقنية «ماذا لو»، وعليها يبني كل الأحداث وردات الفعل، الصدمة الثانية التي يتلقاها القارئ هي ردات فعل الأشخاص، فإن أكثر اللحظات إنسانية قد ينكشف خلالها أبشع مخزون في النفس البشرية، عندما تقرأ هذه الرواية تتأكد، أن الرواية الناجحة هي التي يتحرر كاتبها من أية قيود، ويحلم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا