الأربعاء 18 شعبان / 24 أبريل 2019
01:19 ص بتوقيت الدوحة

ضربة شمس في تونس

ضربة شمس في تونس
ضربة شمس في تونس
بدليل الصمت الذي ران على القوم، فإنهم في تونس لم يصحوا بعد من صدمتين متتاليتين خلال الأسبوع المنقضي.. لكنه صمت مريب.. أو لعله الهدوء الذي يسبق العاصفة الآتية لا محالة، بعد أن أوقف رئيس الدولة فجأة مفاوضات القصر حول تغيير حكومة يوسف الشاهد، ثم ما لبث يوسف نفسه أن قطع شعرة معاوية مع نجل الرئيس، وأغلظ له القول على التلفزيون وأمام العالم.
لم تجر العادة في تونس، ولا في سواها أن يعلن السياسيون الحاكمون فشلهم.. فما بالك بأن ينشروا غسيل الحكم، وأن يتحدثوا عن خلافاتهم بذلك الشكل المفضوح، ناهيك عن تسمية خصومهم بالاسم، ورميهم بتهمة «التدمير»، ولم يكن «المدمر» المتهم في هذا المضمار سوى نجل رئيس الجمهورية المكنى بـ «السبسي الابن»..!
لوهلة، بدا الأمر وكأن رئيس الحكومة يوسف الشاهد قد فر بجلده بالقفز وسط دائرة من النار، لكنه أيضاً -في اعتقاد الكثيرين- قفز بتونس في المجهول، لأنه قسم المقسم، وجزأ المجزأ، من حيث كان يبحث عن التجميع خلفه، فصاحوا «ما هكذا تساق الإبل أو تساس» في بلد يتخبط في أزمات اقتصادية واجتماعية وأخلاقية لتزيد الأزمة السياسية الحالية في الطين بلة.
مهما قيل من نفي، ومهما سيقال، فإن ما يحدث ويجري في تونس لا يخرج عن إطار السباق نحو الانتخابات الرئاسية والتشريعية بعد سنة ونصف من الآن، لذلك يرتفع منسوب الحماس، وتغلي الدماء في العروق، ليجمح المشهد برمته نحو المجهول، خصوصاً أن الخصام المحتدم هو بين فريق نجل الرئيس البيولوجي، وبين فريق وليده السياسي الذي أخرجه قبل سنة وتسعة أشهر من قبعته، ورمى به في اليم على أمل أن يتعلم السباحة في الأثناء.. لكن أهوال البحر وتصاريف الأقدار حكمت بأن يلتقي الإخوة الأعداء أخيراً وجهاً لوجه في معركة تكسير عظم لا تلوح لها نهاية في الأفق.
المعلوم يقيناً عند الناس -عامة وخاصة- أن رئيس الدولة الباجي قايد السبسي يعاني من حرج شديد، وهو يراوح بين قبعة حافظ قايد السبسي الابن البيولوجي، وبين قبعته الثانية كمسؤول أول عن الحزب الحاكم «نداء تونس»، كما لا يخفى على أحد حرج رئيس الدولة المضاعف عندما يجد نفسه حكماً بين ابنه البيولوجي حافظ قايد السبسي وبين ابنه الذي لم يلده، رئيس الحكومة يوسف الشاهد، لكن لا أحد بمقدوره أن يقطع الشك باليقين، إن كان «السبسي الأب» منحازاً لابنه في السياسة، وإنما يعتمد الناس في ذلك على أحاسيسهم الذاتية في حنو الآباء السليقي على الأبناء حتى ولو كانوا ضالين، فيعكسون ذلك في المرآة السياسية للبلاد، تارة عن حق، وطوراً عن باطل، متناسين جميعاً حقيقة أن «الحكم لا يلد» في الأنظمة الجمهورية.. بدليل أن الزعيم الحبيب بورقيبة الذي كثيراً ما يتشبه به الباجي قايد السبسي، سارع إلى إبعاد ابنه الوحيد «الحبيب بورقيبة الابن» عن القصر في 7 يناير 1986، بمجرد سريان إشاعات بأنه سيخلف والده على رأس الدولة، فابتعد الرجل عن العمل السياسي منذئذ.
بورقيبة ذاته، عمد إلى تطليق حب حياته «الماجدة» وسيلة بورقيبة في 11 أغسطس 1986، (وهو في سن الـ 83)، وسحب منها لقب «الماجدة» يوم علم بدسائسها في قصر الحكم، وبضلوعها في حرب الأجنحة من أجل خلافته.. وقد حصل ما هو معلوم لزين العابدين بن علي بسبب دس زوجته أنفها في شؤون الحكم، والقصص كثيرة في تاريخ البلاطات والقصور، ورياحها تجري في الغالب بما لا يشتهيه ربابنة سفنها.
ولا شك في أن الباجي قايد السبسي أكثر من يعلم ذلك، ومن ثمة فيفترض أن يكون الأكثر حذراً من مكر التاريخ، حتى وإن وضعت الأقدار الأبناء في مواجهة الآباء أحياناً.
وسط هذه الأجواء المشحونة، تمضي أيام التونسيون ولياليهم ثقيلة بالتوجس من صراع موضوعي وذاتي مفتوح على كل الاحتمالات، خائفين على ديمقراطيتهم الناشئة من ضحالة فهم الهواة، ومن تهور المغامرين، ومتسائلين عن محلهم من الإعراب وسط معارك يغلب على ظنهم أنها ليست معاركهم، ولا معارك الدولة المعطوبة في جل أجهزتها، لكنهم لا يجدون بداً من الانتظار، عسى أن يمر صيفهم بلا مكدرات إضافية تصيب الديمقراطية بضربة شمس، فتمنع الشفاء الذي انتظروه طويلاً لسنة 2019!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الثورة خائفة من الثورة!

30 ديسمبر 2018

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

رياح صفراء!

16 ديسمبر 2018