الأحد 18 ذو القعدة / 21 يوليه 2019
03:38 م بتوقيت الدوحة

«كهنة آمون» في الاقتصاد المصري

«كهنة آمون» في الاقتصاد المصري
«كهنة آمون» في الاقتصاد المصري
منذ 20 عاماً تقريباً، كتبت عن «كهنة آمون» في جريدة «العالم اليوم»، التي تعدّ أكبر وأقدم صحيفة اقتصادية يومية متخصصة في مصر.
وكهنة آمون أو «Amon Oracle» هم مجموعة من رجال الأعمال المتنفذين في مصر ممن يرتبطون بعلاقات وثيقة مع المصالح الأميركية، وهم يعقدون لقاء دورياً كل 6 أشهر مع السفير الأميركي وكبار مسؤولي السفارة الأميركية لمناقشة أوضاع الاقتصاد المصري، ويُصدرون تقريراً يتضمن ملاحظات دأبت السفارة على إرسالها للمسؤولين الحكوميين المصريين للعمل بها والالتزام بتنفيذها.
في تلك الفترة، حصلت على تقرير اجتماع «كهنة آمون» وقمت بترجمته، وتحمّس له الأستاذ سعد هجرس مسؤول الديسك المركزي رحمه الله، وقام بنشره موضوعاً للمانشيت الرئيسي للجريدة، مما أدى إلى حدوث ضجّة كبيرة في الأوساط الاقتصادية والسياسية المصرية، وصلت إلى الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، الذي أثار أزمة علنية في العلاقات المصرية- الأميركية، عندما اتهم «كهنة آمون» خلال افتتاح فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب أواخر يناير من عام 2001 بالتلاعب في سعر صرف الجنيه المصري!!
وبالمناسبة، وقتها لم تنشر أية جريدة مصرية تصريحات مبارك بخصوص «كهنة آمون» سوى جريدة «إجيبشيان جازيت» المصرية التي تصدر باللغة الإنجليزية، أي التي يقرؤها الخواجات فقط باعتبارها صحيفة ليست موجّهة لعامة الشعب من المصريين. ما علينا، رغم أن هذه الجماعة تضم عدداً من رجال الأعمال من ذوي الجنسية المصرية الأميركية المزدوجة، فإن متحدثاً باسم السفارة الأميركية آنذاك وصفها بأنها ليست سوى حلقة للنقاش!! وذكر بيان رسمي صادر عن هيئة المعونة الأميركية في القاهرة أن جماعة «كهنة آمون» أُنشئت عام 1985 بموافقة الحكومة المصرية.
ونقل البيان عن مصدر مسؤول بالهيئة قوله بأن نحو 25 إلى 30 فرداً يمثّلون القطاع الخاص المصري يلتقون مرتين في السنة، لكي يناقشوا بصورة غير رسمية تقدّم الإصلاحات الاقتصادية المصرية والأحداث الأخيرة في مجال الاقتصاد والأعمال. ويحضر الاجتماع السفير الأميركي، ومدير هيئة المعونة الأميركية بالقاهرة وموظفوها، وموظفو السفارة بصفتهم مراقبين وليس مناقشين أو مشاركين. وما يقال فيها لا يُنسب لأحد، ويمثل مجرد مناقشة مفتوحة.
وأضاف المسؤول أن محاضر النقاش تُرسل إلى رئيس الوزراء المصري وغيره من وزراء الحكومة المصرية. وبعد أن تتاح لهؤلاء الوزراء فرصة التعقيب يوزّع التقرير على مجموعة أوسع من الأفراد بالقطاعين الخاص والعام في مصر، وأن «مناقشات كهنة آمون لا تتضمن أي توصيات سياسية أو نتائج رسمية»!!
في عام 2004، كنت مديراً لمكتب وكالة الأنباء الرسمية المصرية في لندن، وفي إحدى زيارات مبارك لبريطانيا وهو في طريقه إلى واشنطن، التقيت أحد وزراء حكومة الدكتور أحمد نظيف رئيس وزراء مصر الأسبق الذي ربطتني به صداقة قديمة، قال لي إن جماعة «كهنة آمون» هم «أقوى لوبي للمصالح الأميركية والغربية في مصر»، ولا يخرج أي قرار اقتصادي في البلاد سوى بعد إقراره من جانبهم.
في ذلك الوقت، كان يتحدث عن مشروع الضبعة النووي، وقال لي بالحرف الواحد إن أسماء مثل صلاح دياب وإبراهيم كامل وأحمد عز وهشام طلعت مصطفى، ومن ورائهم المصالح الغربية، يريدون تعطيل المشروع لأن الأميركان يريدون ذلك حتى يتغيّر موقف الطاقة في المنطقة برمتها.
ساعتها لم أفهم الجزء الأخير المتعلق بـ « تغيير موقف الطاقة في المنطقة»، لكن بعد ثورة 25 يناير 2011 والانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013، وتحوّل مصر من مصدّر للغاز الطبيعي لإسرائيل إلى أكبر مستورد للغاز «الإسرائيلي» المسروق من الدول العربية مثل لبنان وفلسطين ومصر، وظهور احتياطات عملاقة للغاز الطبيعي شرق المتوسط وسيطرة إسرائيل على معظم الآبار المكتشفة حتى الآن.. فهمت ماذا كان يقصد هذا الوزير «المغلوب على أمره»!
لذلك، لم أستغرب من قرار النظام المصري مؤخراً برفع أسعار تذاكر مترو الأنفاق دون وجود دافع اقتصادي حقيقي؛ لأنني أعرف أن بعض رجال الأعمال المصريين لديهم توكيلات السيارات الأميركية والأوروبية في مصر، وقرار زيادة أسعار تذاكر المترو -وهو القرار الذي يفتقر إلى أسباب اقتصادية واضحة- يصبّ في مصلحتهم المباشرة لتنشيط مبيعات السيارات في السوق المحلية المصرية التي تضررت بشدة جرّاء تعويم سعر صرف الجنيه المصري.
أحد أهم الأمور المسكوت عنها في الاقتصاد المصري خلال العقود الثلاثة الأخيرة، هو أن « كهنة آمون» هم من يتحكمون في الاقتصاد المصري.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.