الأربعاء 15 شوال / 19 يونيو 2019
06:49 ص بتوقيت الدوحة

تدمر.. غيابة الجب

تدمر.. غيابة الجب
تدمر.. غيابة الجب
تحلّ بعد أيام الذكرى السنوية السابعة والثلاثين لمجزرة تدمر، والتي راح ضحيتها ألف من كبار مثقفي سوريا وفي جميع المجالات والتخصصات، يوم اقتحمت سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد -شقيق حافظ الأسد- سجن تدمر وقتلت كل من كان فيه بأوامر مباشرة من شقيقه. حصل هذا دون أن يرفّ للعالم كله جفن، وما دامت المجزرة تلد أخرى مع الصمت والتواطؤ الدولي، فقد واصل النظام السوري مجازره، بحسب شهود عيان والسجانين الذين التقيتهم في الفيلم المميز الذي عرضته «الجزيرة» أخيراً بعنوان «تدمر.. حدثني السجين والسجان»، وهو موجود على اليوتوب.
لقد واصل النظام -بحسب ضيوفي- مجازره مرتين أسبوعياً، أسفرت خلال السنوات التي تلتها عن مقتل أكثر من ثلاثين ألف سجين، وسط صمت عالمي مطبق يصاحبه إصرار رهيب من قِبل العصابة الطائفية على المضي قدماً في هوايتها المفضلة التعذيب والقتل، شملت النساء والأطفال الأحداث، ومن جنسيات عربية عدة؛ لبنانية وفلسطينية وأردنية وعراقية وغيرها..
أكثر من سنة أمضيتها وأنا أزور البلدان لاستجواب السجناء والسجانين، كانت تجربة قاسية على النفس، تستمع للضحايا الذين لم يُنصفهم أحد، بل وحتى الآن لا يعلن النظام عن أسماء وهويات من قتلهم في سجونه؛ كي لا يريح أُسراً لا تزال تنتظر أبناءها، فقد صمّم النظام على معاقبة السوريين حتى بعد رحيلهم من خلال حرمانهم معرفة مصير أبنائهم وذويهم، لتبقى الزوجة معلّقة وكذلك المواريث ونحوها.
المخيف أكثر وأكثر بالنسبة لمن نجوا من غيابة الجب التدمرية، هو تواطؤ العالم كله مع العصابة الطائفية، التي لا تزال تُمعن في القتل والتدمير والخراب والتعفيش، وما صور القيصر التي وثّقت 11 ألف ضحية بخمسة وخمسين ألف صورة إلا قمة جليد ما جرى ويجري في جمهورية الخوف والقتل والدمار والخراب.. وإلا فلماذا لم يحاكم أي مسؤول؟! بل ويسرح ويمرح رفعت الأسد في أوروبا دون حسيب أو رقيب!
ومع هذا كله نرى العالم كله تقريباً يصرّ على مشاركة الطاغية بمستقبل سوريا، إنه ليس انحطاط نظام وعصابة طائفية حاكمة، بل هو انحطاط قيمي عالمي لم يُنصف الضحايا، ولم يقف مع ثورة الشام، بل حرص كل الحرص على الوقوف إلى جانب العصابة الطائفية لمشاركتها في السلطة المقبلة. أما المحاكمات العادلة فإلى جحيم المؤتمرات والقرارات الدولية المعروفة بحسب واقعهم العملي الممارس يومياً.
لكن ما يفاجئك تماماً في مسيرة الرحلة التدمرية لنسل يوسف -عليه السلام- أن كل من التقيته كان النجاح الباهر حليفه في حياته، يفاجئك قدرتهم الرهيبة على التأقلم مع الظروف الجديدة، فبعضهم خرج ولم يكن قد تخرّج من الثانوية ليدرسها مجدداً ويصل إلى أعلى المراتب، وكان حسن الختام في الفيلم الذي أعددته ما ذكره الأخ المعتقل محمد نزار موسى بقوله: «نحن لسنا بحاجة إلى التأهيل، فنحن من نقوم بتأهيل الآخرين، لقد اصطفانا الله في هذه الرحلة الإيمانية اليوسفية بسجن تدمر».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.