الإثنين 17 ذو الحجة / 19 أغسطس 2019
07:40 م بتوقيت الدوحة

الشعب ضد الديمقراطية (1-2)

الشعب ضد الديمقراطية (1-2)
الشعب ضد الديمقراطية (1-2)
يبدو أن نتائج الانتخابات في إيطاليا، حيث تصدّر الشعبويون والأحزاب اليمينية المتطرفة صناديق الاقتراع، في أعقاب كارثة الاستفتاء لصالح خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، ثم فاجعة انتخاب دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة، سوف تُفضي -بكل تأكيد- إلى ترسيخ اعتقاد ليبرالي شائع، مفاده أن الناس هم الذين جلبوا هذه المصائب على أنفسهم، ووفقاً لهذا الرأي، فإن «المواطنين العاديين» غير عاقلين ومضلَّلين، إلى الحد الذي يجعلهم يتخذون اختيارات مروعة، بل يذهب بعض المعلقين إلى ما هو أبعد من هذا، فيعزون إلى المواطنين العاديين تفضيلهم الثابت لقادة معادين للديمقراطية، والواقع أن كتاباً جديداً يؤكد أن المشكلة تكمن في وقوف الشعب ضد الديمقراطية.
الواقع أن مثل هذه التشخيصات بعيدة كل البعد عن الصواب، فمن خلال التركيز على معتقدات المواطنين الأفراد، تغفل هذه التشخيصات الأسباب البنيوية وراء المخاطر التي تهدد الديمقراطية اليوم، ومن المحتم -نتيجة لهذا- أن تؤدي إلى إنتاج الدروس العملية غير الصحيحة، فإذا كان المرء يعتقد حقاً أن الناخبين غير أكفاء أو متعصبين، فإن الخطوة الواضحة التالية هي انتزاع قسم أكبر من سلطة اتخاذ القرار من بين أيديهم، ولكن بدلاً من التقهقر إلى التكنوقراطية، ينبغي لنا أن نعكف على التصدي لمشاكل بنيوية بعينها، ساعدت في تمكين الساسة الشعبويين من الانتصار. هناك كثير من الأدلة التي تشير إلى أن المواطنين ليسوا مطلعين بالقدر الذي تود لهم النظرية الديمقراطية أن يكونوا عليه، وفي الولايات المتحدة بشكل خاص، أظهر علماء السياسة مراراً وتكراراً، أن النظرة الواقعية لعامة الناس تبتعد بشدة عن صورتهم في الكتب الأكاديمية المدنية، لكن الانتخابات ليست اختباراً للمواطنة، أو امتحاناً في برنامج لنيل درجة الماجستير في الإدارة العامة، فالناخبون لا يحتاجون إلى المعرفة التفصيلية والتفضيلات فيما يتصل بكل مسائل السياسة العامة، فالتوجهات العريضة والقدرة على استخلاص الإشارات من السلطات الموثوقة -من الساسة أو الصحافيين «أو لا قدر الله» الخبراء- قد تكون كافية. تبدأ المشكلة عندما ينظر المواطنون إلى كل قضية على أنها مسألة هوية حزبية بحتة، حيث تعتمد مصداقية علوم المناخ -على سبيل المثال- على ما إذا كان المرء جمهورياً أو ديمقراطياً، وتزداد الأمور سوءاً على سوء عندما تصبح الهوية الحزبية قوية، إلى الحد الذي يجعل مرور أية حجة يسوقها الجانب الآخر، أو تدور حول شرعيته في حكم المستحيل. لم يُنتَخَب ترمب باعتباره مرشحاً لحركة شعبية تتألف من الخاسرين الغاضبين من ذوي البشرة البيضاء نتيجة للعولمة، بل بوصفه زعيماً لحزب ينتمي للمؤسسة، وقبل ترمب بزمن بعيد، بدأ هذا الحزب -ومشجعوه في وسائل الإعلام اليمينية- يشوّه ويشيطن معارضيه، ويقول لأتباعه فعلياً إنهم لا يمكنهم أبداً اختيار «الاشتراكية على الطريقة الأوروبية»، وغير ذلك من الموبقات غير الأميركية تحت أي ظرف من الظروف، وبالتالي فإن الجمهوريين الذين اعترفوا بسهولة بأن ترمب لم يكن مؤهلاً لمنصب الرئيس، صوّتوا لصالحه على أية حال. في الولايات المتحدة، لا يُعَد الاستقطاب انعكاساً موضوعياً لاختلافات ثقافية بعينها، بل كان -ولو جزئياً على الأقل- مشروعاً نخبوياً واعياً لتقسيم البلاد من أجل مزايا سياسية، بل وفي بعض الأحيان لتحقيق ربح شخصي، والاستقطاب في نهاية المطاف تجارة ضخمة، كما تؤكد لنا بوضوح نظرة سريعة على أرباح شخصيات رئيسية في «فوكس نيوز» وبرامج المقابلات الإذاعية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.