الخميس 20 ذو الحجة / 22 أغسطس 2019
04:24 م بتوقيت الدوحة

عرس تونسي بـ «أكورديون» معطوب!

عرس تونسي بـ «أكورديون» معطوب!
عرس تونسي بـ «أكورديون» معطوب!
قبل أسبوع هنا، كنت أقول: «قد تكون انتخابات «الحكم المحلي» التي تجري اليوم، مهمة للبعض، وغير مهمة على الإطلاق للبعض الآخر، لكن الثابت والأكيد أن غداً الاثنين 7 مايو 2018 سيكون مفصلياً في تاريخ تونس، فإما أن يؤرّخ لولادة نخبة سياسية جديدة ديمقراطية وحازمة، تلعب في نادي كبار الديمقراطيات في العالم، أو أنها ستدق المسمار الأخير في نعش تجربة عربية كانت طيبة، قبل أن يتوفاها الله، وفي كلتا الحالتين، هي جسارة وقفزة في المجهول»، وما هي إلا أيام واخترقت جدار الصمت بقوة طبقة سياسية جديدة عنوانها «القائمات المستقلة»، التي هزمت «النهضة» و»النداء» معاً، وحصلت على المرتبة الأولى في الانتخابات البلدية بـ 32,9 %، متقدمة على حركة «النهضة» التي احتلت المركز الثاني بـ 29,6 %، في حين حل حزب «نداء تونس» في المرتبة الثالثة بـ22,7 % من الأصوات.
ولعمري، فهو درس شديد القسوة لما يسمّى جزافاً بـ «الحزبين الكبيرين» في تونس، ناهيك عن قساوته على أحزاب «الصفر فاصل»، التي تعرقت وهي تجري بمفردها لـ 7 سنوات، لكي تحصد المرتبة الأخيرة!
من بين المستقلين حتماً أشخاص غير مستقلين، وإنما اضطرتهم إكراهات ضوابط القانون الانتخابي لئلا يكونوا ضمن القائمات الرسمية لأحزابهم، فخرجوا عنها وبعثوا قائمات «مستقلة»، والمناورة هذه هنا تهم «نداء تونس» و»النهضة» أساساً، لكن الأهم من المناورة الحزبية التي تستعجل الربح، هو أن العنوان الأبرز الذي جذب جمهور الناخبين هذه المرة كان «الاستقلالية» عن الأحزاب، فيما كان العنوان الطارد لهم هو الأحزاب التونسية، التي بلغ عددها 212 حزبا، بما يعني أنها دكاكين انفضّ سامرها، ولم يعد لها مستقبل يُذكر، مهما رمّمت من أركانها المهترئة، إلا بمعجزة من السماء.
الأقسى من تلك الحقيقة الساطعة، حقيقة أن 29 % فقط ممن يحق لهم الاقتراع «أي زهاء الـ 6 ملايين تونسي» قاطعوا الانتخابات البلدية الأخيرة، فلم يذهب لصناديقها سوى 35,6 % فقط أي 5,3 ملايين مسجل للانتخابات من مجموع 8 ملايين يحق لهم التصويت، وهنا مربط الفرس الذي يشيح عنه الجميع بوجهه، وإن واجهه فبلا حول ولا قوة، كأن يقول حافظ قايد السبسي المسؤول الأول عن حزب «نداء تونس» لملايين المقاطعين: «رسالتكم وصلت»، أو أن يعالجهم زعيم «النهضة» راشد الغنوشي بمقولة فقهية عتيقة: «الساكت لا حكم له»، قبل أن يستطرد قائلاً: «والحكم هو للمليونين تقريباً اللي مشاو ينتخبو».
لقد كان قلبه ينفطر وجعاً، وهو يستنجد بتلك المقولة الفقهية، كما كان الغنوشي محرجاً جداً أمام انهيار مخزون «النهضة» الانتخابي ما بين انتخابات 2011 وانتخابات 2018، حيث خسرت قرابة نصف عدد مصوّتيها، كما خسر «نداء تونس» الذي وضع فيه من يسمّون أنفسهم بالحداثيين ثقتهم، أكثر من ثلث أصواته بين 2014 و2018، ولعمري إنه الطريق نحو الإفلاس، إلا إذا أراد البعض تغطية عين الشمس بالغربال، وهو ما يجري ويدور بعد إعلان النتائج والأرقام، حيث الجميع -بوجوه مكفهرة- يعاندون ويداورون الأرقام العنيدة، وما يعاندون وما يداورون إلا أنفسهم، فإن غداً في استحقاق الانتخابات التشريعية والرئاسية 2019 لقريب.
وفي رأيي المتواضع، أن مقاطعة قرابة الـ 6 ملايين تونسي لانتخابات الأحد الماضي لم تكن كسلاً، أو نزوة يوم عطلة، ولم تكن فقط عقاباً لفشل الطبقة السياسية التي برزت بعد 14 يناير 2011، وإنما كانت نتاجاً لحالة نفسية تريد في عمقها التصالح الحقيقي على أرض الواقع، مع ما قبل 14 يناير، فلم تسعفها الجهود «النظرية»، لذلك انحصر مؤشر الصعود الانتخابي الأخير- بالأرقام- فقط ما بين زعيمة «الأزلام» عبير موسي ممثلة في «الحزب الدستوري الحر»، وبين زعيمة الثوريين سامية عبو، ممثلة في حزبها «التيار الديمقراطي»، أما ما بينهما فقد كان آلة «أكورديون» معطوبة، لا تصدر نغماتها كالعادة عند ضغط طرفيها على الوسط، لأن الوسط ضاع كما ضاعت الطبقة الوسطى، عندما غاب ضابط الإيقاع عن فرقته، ويبقى الأمل في «الحصان الأسود» الذي سيعيد لـ «الأكورديون» المعطوب نغمته الطبيعية ليصح العرس التونسي.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الثورة خائفة من الثورة!

30 ديسمبر 2018

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

رياح صفراء!

16 ديسمبر 2018