الإثنين 15 رمضان / 20 مايو 2019
12:20 م بتوقيت الدوحة

وفاز باللذة الجسور

وفاز باللذة الجسور
وفاز باللذة الجسور
توصف الانتخابات البلدية التي تجري اليوم (الأحد) في تونس بأنها أهم استحقاق سياسي في البلاد منذ «ثورة 2011»، ويصل بعض السياسيين في تونس إلى حد اعتبارها أهم من الانتخابات التشريعية والرئاسية التي جرت في 2011 ثم في 2014، والآتية في 2019.. لعل الأمر كذلك، بدليل الاهتمام الخارجي -الغربي على وجه الخصوص بها- لكن أجواء الحملة الانتخابية كانت باردة، بما يعكس عدم مشاطرة عموم التونسيين ذلك الرأي، أو لعله سوء فهم لها.
من ثمة جاء الخوف شديداً من عزوف التونسيين عن التوجه إلى صناديق الانتخابات اليوم، وهو أمر وارد جداً، حيث لا يتوقع أشد المتفائلين أن تتجاوز نسبة المقترعين 35 % في أفضل الحالات.
الخطأ الأول الذي وقع فيه مهندسو هذه الانتخابات المحلية، أنهم واصلوا تسميتها بـ «الانتخابات البلدية»، في حين أنه وفقاً للقانون الجديد المنظم للجماعات المحلية، أصبح اسمها «انتخابات الحكم المحلي»، بالنظر إلى الصلاحيات الواسعة التي أصبح يتمتع بها رئيس البلدية، بما يجعله رئيس دويلته، قراراً وتخطيطاً وتنفيذاً.
الخطأ الثاني متسرب عن الخطأ الأول، إذ ينظر كثير من التونسيين بعين الريبة إلى هذه الانتخابات، التي ستفرز قيادات محلية مستقلة بدرجة عالية عن مركزية القرار (الحكومة)، ويرون في نتائجها -وفق القانون الجديد- تفكيكاً للدولة التونسية الضعيفة أصلاً، وتكريساً لانفصال الأطراف عن المركز، وفي ضوء درجة وعي ونضج شعبي، لا تكفي لخوض هذه المغامرة التي تشبه القفز في المجهول.
صحيح أن ما يسمى بالحكم المحلي، أو الديمقراطية التشاركية، هي آخر ما أبدعه الفكر السياسي في الكون، بدليل أن دولاً عظمى، مثل الولايات المتحدة الأميركية أو البلاد الاسكندنافية، أو حتى إيطاليا وبلجيكا، يمكن أن تعيش لسنوات بدون حكومة ولا رئيس لها، وبدون أن يؤثر ذلك في ريادتها الاقتصادية، ولا أن يهزها اجتماعياً، بفضل إدارات الحكم المحلي القوية، لكن التونسيين الفخورين جداً بأنفسهم، يعلمون في أعماقهم أنهم ليسوا بأميركان ولا اسكندنافيين، ولا حتى «طلاينة».. فقد كابدت تلك الشعوب طويلاً قبل أن تشفى من «الصدمة الحضارية»، وبلغت من الوعي المتدرج درجة من المدنية ومن التحضر تسمح بأن يستقيل مسؤولوها بسبب اصطدام قطارين، أو بسبب استهلاك كوب عصير من المال العام!
أما ثالثة الأثافي، فهو خيبة الأمل العميقة لدى جزء مهم من التونسيين من مخرجات الديمقراطية خلال السنوات السبع الماضية، وبما أن القانون الانتخابي الجاري سيفرز بالضرورة مجالس بلدية فسيفسائية على صورة ما أفرزه في مجلس نواب الشعب سيء الصيت، فإن الخوف شديد أيضاً من ظهور 350 فضيحة، مشكلة يومياً في 350 بلدية، بما يبرر انقطاعهم عن الشأن العام، وانفضاضهم من حول السياسيين الذين أوصلوهم إلى حالة اقتصادية ومعنوية لا تسر عدواً ولا حبيباً.
قد تكون انتخابات «الحكم المحلي» التي تجري اليوم، مهمة للبعض، وغير مهمة على الإطلاق للبعض الآخر، لكن الثابت والأكيد أن غداً الاثنين 7 مايو 2018 سيكون مفصلياً في تاريخ تونس، فإما أن يؤرخ لولادة نخبة سياسية جديدة ديمقراطية وحازمة، تلعب في نادي كبار الديمقراطيات في العالم، أو أنها ستدق المسمار الأخير في نعش تجربة عربية كانت طيبة، قبل أن يتوفاها الله.. وفي كلا الحالتين، هي جسارة وقفزة في المجهول، وقديماً قال الشاعر العباسي سَلْمُ بن عمرو بن حمّاد الملقب بـ «الخاسر»، «وفاز باللذة الجسور!».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الثورة خائفة من الثورة!

30 ديسمبر 2018

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

رياح صفراء!

16 ديسمبر 2018