الثلاثاء 21 شوال / 25 يونيو 2019
08:23 ص بتوقيت الدوحة

النظام العالمي الليبرالي: ارقد في سلام (1-2)

النظام العالمي الليبرالي: ارقد في سلام (1-2)
النظام العالمي الليبرالي: ارقد في سلام (1-2)
ذات يوم قال الفيلسوف والكاتب الفرنسي فولتير ساخراً: «بعد مسيرة اقتربت من الألف عام، لم تعد الإمبراطورية الرومانية المقدسة المضمحلة مقدسة، ولا رومانية، ولا إمبراطورية. واليوم، بعد مرور نحو قرنين ونصف قرن من الزمن تقريباً، نستطيع أن نقتبس من فولتير فنقول: إن النظام العالمي الليبرالي المضمحل لم يعد ليبرالياً، ولا عالمياً، ولا نظاماً.
أنشأت الولايات المتحدة، من خلال العمل الوثيق مع المملكة المتحدة ودول أخرى، النظام العالمي الليبرالي في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وكان الهدف ضمان عدم عودة الظروف التي أفضت إلى نشوب حربين عالميتين في غضون ثلاثين عاماً إلى النشوء مرة أخرى أبداً.
لتحقيق هذه الغاية، شرعت الدول الديمقراطية في إنشاء نظام دولي يتسم بالليبرالية في استناده إلى حكم القانون، واحترام سيادة الدول، وسلامة أراضيها. وكان المفترض أن تحظى حقوق الإنسان بالحماية. وكان كل هذا ليطبق على كوكب الأرض بأسره، وفي الوقت نفسه، كانت المشاركة مفتوحة وطوعية للجميع. وبنيت المؤسسات لتعزيز السلام (الأمم المتحدة)، والتنمية الاقتصادية (البنك الدولي)، والتجارة والاستثمار (صندوق النقد الدولي وما أصبح بعد سنوات منظمة التجارة العالمية).
وكان كل هذا وأكثر مدعوماً بالقوة الاقتصادية والعسكرية التي تمتلكها الولايات المتحدة، وشبكة من التحالفات عبر أوروبا وآسيا، والأسلحة النووية التي خدمت كرادع للعدوان. وعلى هذا فإن النظام العالمي الليبرالي لم يكن قائماً على المثاليات التي تعتنقها الديمقراطية فحسب، بل وأيضاً على القوة الصارمة. ولم يفت أي من هذا على الاتحاد السوفييتي الذي لم يكن ليبرالياً بكل تأكيد، والذي كان تصوره مختلفاً بشكل جوهري، لما ينبغي أن يشكل النظام في أوروبا ومختلف أنحاء العالم.
ومع نهاية الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفييتي، بدا النظام العالمي الليبرالي أكثر قوة من أي وقت مضى. ولكن اليوم، بعد مرور ربع قرن من الزمن، أصبح مستقبل النظام موضع شك. والواقع أن عناصره الثلاثة -الليبرالية، والعالمية، والحفاظ على النظام ذاته- تواجه اليوم تحديات لم يسبق لها مثيل في تاريخه الممتد طوال سبعين عاماً.
فالليبرالية الآن في تقهقر، وتستشعر الديمقراطيات التأثيرات المترتبة على النزعة الشعبوية المتنامية. فقد اكتسبت أحزاب سياسية متطرفة الأرض في أوروبا. ويشهد التصويت في المملكة المتحدة لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي على خسارة النفوذ النخبوي. وحتى الولايات المتحدة تشهد هجمات غير مسبوقة من رئيسها على وسائل الإعلام في البلاد، والمحاكم، ومؤسسات إنفاذ القانون. وأصبحت أنظمة استبدادية، ومنها الصين وروسيا وتركيا، أشد استبداداً. ويبدو أن بعض الدول مثل المجر وبولندا لم تعد مهتمة بمصير ديمقراطياتها الفتية.
من الصعب على نحو متزايد أن نتحدث عن العالم وكأنه كل متكامل. فنحن نشهد ظهور أنظمة إقليمية، أو بشكل أكثر وضوحاً في الشرق الأوسط فوضى إقليمية، وكل منها تحمل سمات خاصة. وتُمنى المحاولات لبناء أطر عالمية بالفشل. كما أصبحت نزعة الحماية في ازدياد، ولم تبلغ الجولة الأخيرة من محادثات التجارة العالمية مرحلة الإثمار قَط. ولا يحكم استخدام الفضاء السيبراني سوى قلة قليلة من القواعد. 
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.