الأربعاء 22 شوال / 26 يونيو 2019
12:44 م بتوقيت الدوحة

من يصرخ أولاً في تونس؟ (1-2)

من يصرخ أولاً في تونس؟  (1-2)
من يصرخ أولاً في تونس؟ (1-2)
قبل أسبوع بالعد، كنت في هذا الموضع أتحدث عن إمكانية انفجار أزمة ضخمة بين الحكومة التونسية وبين المركزية النقابية، بسبب ما اصطلح على تسميته بـ «أزمة الثانوي».. وكنت أقول بالحرف «اختلاف حساب الحقل عن حساب البيدر هو نفس اختلاف حسابات من يدخل ومن يحجم عن دخول معركة غير مضمونة الربح السياسي مسبقاً.. بما يصح على الطرفين المتصارعين، على أن تكشف الساعات القادمة من أخطأ الحساب، ليصرخ أولاً..».. ومع أن قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل لا تحب ذلك، فلا مناص من القول الآن بأنها هي من صرخت أولاً، بدليل قرارها بعودة مدرسي الثانوي إلى أعمالهم دون شروط، مع تسليم علامات التلاميذ المحجوبة إلى إداراتهم، مما أدى إلى انتقال «الحريق» إلى الخيمة النقابية، بعد أن رفضت نقابة أساتذة الثانوي وأبت الانضباط لقرار القيادة، أولاً، وقبل أن تعود عن «تمردها» وتقبل بالأمر الواقع.
والحقيقة أن «تمرد» نقابة الثانوي لم يكن خارجاً عن الديكور العام في البلاد التونسية منذ 2011 حيث لا سلطة بالكاد لأحد على أحد، لكن الدرس كان بليغاً هذه المرة، وملخصه أن من يصرخ كثيراً ومن يعلي صوته أكثر ليس دائماً هو من يربح المعارك، كما درج الناس على الاعتقاد منذ بضعة سنوات في تونس... ففي المحصلة عاد الأساتذة إلى فصولهم وإلى تلاميذهم بهذا الدرس الذي ستكون له ارتدادات ونتائج يحسن بعموم التونسيين فهمها واستيعابها بأسرع ما يمكن حتى لا يضيع عليهم وقت ثمين، أما الدرس الأعظم الذي يبدو أن زعيم الاتحاد التونسي للشغل نورالدين الطبوبي قد التقطه، هو ألا شيء في المستقبل سيشبه ما مضى، وهو ما يمكن استشفافه من تصريحه اللاحق للأزمة بأن «إصلاح الاتحاد من الداخل أصبح ضرورة ملحة».
وبالفعل، فإن مياهاً كثيرة جرت من تحت الجسر -محلياً وإقليمياً ودولياً- ومع أن كلام الطبوبي صحيح أيضاً، وهو يستطرد بالقول إن «المنظمة الشغيلة ستبقى صمام أمام للشعب التونسي، وستواصل النضال من أجل استحقاقات تجعل من تونس دولة ديمقراطية»، فإن إعلانه «معركة الإصلاح» ينسجم مع مقتضيات اللحظة، فلم يعد للشطط وللغلو النقابي سوق رائج، ومن ثمة توجبت «عقلنة» العمل النقابي، حتى يظل حياً نابضاً، ومتفاعلاً مع محيطه السياسي، وأيضاً مع إكراهات السياسة الدولية، بما في ذلك عناد أقل في وجه توصيات صندوق النقد الدولي مثلاً، في ظل استحالة تفاديها، لأن الصناديق المالية العالمية لا تطرق باب أحد، ولا تعرض قروضها على عابري السبيل، وإنما يطرق أبوابها المحتاجون لخدمتها، فليس أقل من «انضباط» المقترض لأحكام المقرض، وها قد انضبطت لها الصين، وما أدراك ما الصين.. وها هي كوريا الشمالية على الطريق!
وبدون تزيد ولا مزايدة، فإن العمل النقابي في تونس مقبل على «إصلاح» ليس منه بد، مع ظهور حقائق جديدة على الأرض، ليس أقلها ما كنت أشرت إليه قبل أسبوع بالحرف من أن «المركزية النقابية كانت في السابق تواجه سلطة «متسلطة»، أما اليوم فهي أمام حكومة منتخبة ديمقراطياً»، وهو ما سيضعها بالنهاية في مواجهة مباشرة وفجة مع مخرجات الديمقراطية التي طالما فاخر بها اتحاد الشغل في صلبه.. فلا مناص اليوم من ابتداع صيغ جديدة للتعاطي النقابي، تقلل من سطوة السياسي عليه، وتقوي المنهج التشاركي في إدارة شؤون الناس.. بذلك لن يصرخ أحد أولاً ولا ثانياً بعد الآن.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الثورة خائفة من الثورة!

30 ديسمبر 2018

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

رياح صفراء!

16 ديسمبر 2018