الثلاثاء 12 رجب / 19 مارس 2019
08:08 م بتوقيت الدوحة

كن كالماء

403
كن كالماء
كن كالماء
في إحدى ورش العمل التي سبق أن قدمتها وكانت بعنوان «العمل الجماعي»، كانت إحدى الفتيات تشارك بإيجابية ملحوظة ومتابعة تنم عن شغفٍ للتعلم، وفي نهاية الورشة، وبعدما غادر القاعة معظم الحضور، تقدمت إلي قائلةً: إنني أواجه تحديات في عملي، فعلى قدر ما أقدم من عطاء وأبذل من مجهود لا أجد أي تقدير أو تمييز عن أولئك الذين لا يبذلون أي شيء ولا يلتزمون بساعات العمل الرسمي كما أفعل، ولاشك أن ذلك يفقدني الحماس ويصيبني بالإحباط ويجعلني أركن مع الوقت للانعزال والسلبية، فبماذا تنصحني؟
قبل أن أفصح عن نصيحتي لتلك الفتاة، سألت من تبقى في القاعة من المشاركين أن يقتربوا منا ليشاركونا في هذا الموضوع، وأعدت عليهم ما قالته تلك الفتاة، ثم سألتهم من منكم لم يتعرض لمثل هذه التحديات في مرحلة من مراحل حياته العملية؟
وكان الجواب أن الجميع قد تعرض لظروفٍ مشابهة، فماذا نستنتج من ذلك؟
في رياضة القفز على الحواجز، وهي من أفضل رياضات الفروسية، تمثل الحواجز تحدٍ حقيقي لمهارات الفارس وقوة ورشاقة الحصان، كما تمثل الجزء المحفز على التدريب والإبداع، لذا فإن من ينشد حياة بدون تحديات، كمن يطالب بإزالة الحواجز من هذه الرياضة.
لذا تبدو التحديات في كثيرٍ من الأحيان كجزءٍ لا يتجزأ من عملية التخطيط والتنفيذ لأي مشروعٍ في الحياة، وكلما ارتفع سقف الطموح ارتفع معه سقف التحديات التي تواجهه، وكأنها سمة مدمجةٌ في عملية السعي لإنجاز ذلك الطموح، فلم تكن الطريق لتحقيق الأحلام أو لتجسيد الرؤى وتحقيق الأهداف مفروشةً بالورود يوماً ما.
وقلما تجد موظفاً راضياً عن مكان عمله، خصوصاً العاملين في القطاع الحكومي، حيث تكون ثقافة العمل المؤسسي باهتةً وتغلب الارتجالية على الكثير من الإجراءات ومن أكثرها حساسيةً للموظف نظام التقييم السنوي (Annual appraisal)، حيث ينعكس على الترقيات والمكافآت والتدريب، ومع محاولة وحرص بعض الدوائر الحكومية على عملية الإصلاح والسعي لإدماج ثقافة العمل المؤسسي في القطاع الحكومي، إلا أن التطبيق لا يزال يواجه صعوبات وبالتحديد من طبقة الإدارة الوسطى، وذلك إما بسبب قلة الخبرة والتدريب أو عدم القناعة بالتغيير وممانعته ولعب دور ما يسمى بــ «الحرس القديم».
وإذا كانت تلك العقبات التي ذكرناها خارجة عن سيطرة الموظف أو لا يملك القدرة على تغييرها فهل يعني ذلك الاستسلام لتلك الظروف ومن ثم تدني الحماس للعمل؟
هنا يكمن الفرق، حيث تتباين ردات الفعل بين موظفٍ وآخر حسب ما تقتضيه مصلحته الضيقة، فإما الاستقالة أو التكيّف مع الظروف أو الانعزال والسلبية.
وكما أن قرار الاستقالة يتطلب شجاعة وحسابات مدروسة كما أوردنا سابقاً، فإن من أسوأ الخيارات عاقبةً على الموظف الانعزال والسلبية لأن هذا القرار بمثابة الانتحار الوظيفي، وذلك أن الموظف سيفقد تدريجياً التواصل مع المحيط الوظيفي ويبدو بلا هدف أو طموح لينطفئ بريقه مع مرور الوقت وتنحسر مهاراته وقد يدرج اسمه في قائمة العمالة الفائضة.
إذاً ماذا عن التكيّف؟
قد يخلط البعض بين التكيّف مع الظروف المحيطة والتخلي عن المبادئ والمعتقدات، وهذا النوع يذكرني بالسؤال الذي عادةً ما أطرحه على المشاركين في ورش العمل، حيث أسألهم عن سبب انقراض الديناصور وبقاء الضفدع، بالطبع لا أحد يوافقني بأن السبب هو أن الضفدع أقوى ولا أذكى من الديناصور، لنخلص إلى سبب وحيد وهو أن الضفدع كان يمتلك القدرة على التكيّف مع الظروف المحيطة.
أنظر إلى قدرة الماء على التكيّف مع الظروف المحيطة دون أن يتغير جوهره المتمثل بتركيبته الكيميائية (H2O)، فالماء يوجد في الظروف الطبيعية بحالته السائلة وقد يتحول إلى جليد أو بخار حسب الظروف المحيطة به، كما أنه قد يأخذ أشكالاً متعددة حسب الإناء الذي يوضع فيه، وقد يجري الماء إذا وضع على سطح مائل بسرعة تتناسب مع درجة الميل، فإذا زاد الميل زادت السرعة، كل ذلك مع احتفاظه بجوهره وتركيبته الكيميائية؟ فهلّا أخذنا العبرة من الماء؟
وبالرغم من إدراكي لهذه المفاهيم حينما استنصحتني تلك الفتاة إلا أنني لم أجبها بشيء مما كتبته ها هنا، كان جوابي لها هو: «إن استطعنا مواصلة العطاء دون النظر إلى المردود الآني فغالباً سنربح في نهاية المطاف.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

بوصلة الأذكياء

27 نوفمبر 2017

كلام في الفكر

13 نوفمبر 2017

كن شجاعاً

09 نوفمبر 2017

حاجز الوهم

30 أكتوبر 2017

عفريت في زجاجة

26 أكتوبر 2017