الجمعة 16 ذو القعدة / 19 يوليه 2019
01:00 ص بتوقيت الدوحة

بقعة ضوء

حين يحكم الـقرود

حين يحكم الـقرود
حين يحكم الـقرود
«السياسيون في العالم كالقرود في الغابة، إذا تشاجروا أفسدوا الزرع، وإذا تصالحوا أكلوا المحصول»، هذه المقولة للصحافي والروائي البريطاني جورج أورويل المعارض لنظم الحكم الشمولية، والمحذّر من غياب العدالة الاجتماعية، والذي عاش في الفترة 1903-1950م.
ما أصدقها مقولة، وما أكثر انطباقها على ما يجري في عالمنا اليوم، إذ لدينا النوعان، المختصمون مفسدو الزرع، والمتصالحون آكلو المحصول، والغنائم بينهم ولا عزاء للشعوب، فهم حطب حروب لا أكثر.
ما نشهده اليوم -وفي ضوء مقولة أورويل وغيرها- يجعلنا نتفكر ونتأمل ونعي، أن الأمم إنما تعيد تاريخها تباعاً، ويدور دولابها بعجلاته ذاتها على نفس الوتيرة، وهو ما جعل المفكر الإسلامي المعاصر مالك بن نبي وغيره ممن سبقوه ولحقوه، يقولون بمقولة الدورات التاريخية للأمم، ولكن من يعي؟ ومن يعتبر؟
آلقرود؟! أقصد السياسيين المشغولين إما بإفساد المحاصيل أو أكلها!!
أم الشعوب المنهكة والراغبة في التغيير، ولكن رياح التغيير لا تكون مواتية لتطلعاتها، فتحصدها مع المحاصيل المحصودة، وتأكلها القرود أو تبيدها بالأسلحة الكيميائية، أو بالضربات الجوية بزعم حمايتها!!
من يعي؟ ومن يعتبر؟
وهل لو وعوا واعتبروا، بإمكانهم تغيير مجرى الأحداث والتاريخ؟! أم أنها حتمية تاريخية لا بد من وقوعها، وبها تستقيم الحياة، وتبنى هياكل الأمم، وتتواتر الدول؟!
هل لا بد من هدم ليكون هناك إعمار؟ ومن اندثار ليكون هناك بزوغ؟ ومن ضعف لتكون هناك قوة؟ ومن موت لتكون هناك حياة؟
لِمَ كان الإنسان مخيّراً إذاً؟!! ولِمَ تميزت عصور عن عصور، ودول عن دول، ورجال عن رجال، وذمم عن ذمم؟! ولِمَ كان هناك أسود وقرود؟! وكلاب أيضاً -أجلّكم الله- عذراً للألفاظ، فهذا ما يسرده التاريخ، فإن كان البريطاني أورويل قد شبههم بالقرود، فالإمام الشافعي -رحمه الله- شبههم بالكلاب:
لا تأسفن على غدر الزمان لطالما
رقصت على جثث الأسود كلاب
لا تحسبن برقصها تعلو على أسيادها
تبقى الأسود أسوداً والكلاب كلاب
في النهاية، فإن المحاصيل هي الهدف لا البشر، وكل ما حدث في الوطن العربي على مر التاريخ والحقب وحتى حصار قطر، وبعد حصار قطر، وإلى قيام الساعة، فإن الغاية التي تجعل الإنسان يفني أخاه الإنسان من أجلها هي أحد أمرين: الطمع أو الغيرة، وقد يأتي معهما التكبر أو الغرور، وهو المعصية الأولى التي عُصي بها الله جلّ وعلا.
مؤسف أن تحكم العالم القرود في ظل وجود الأسود، بل مؤسف أن تختار الشعوب القرود أحياناً بإرادتها لتحكمها، لأن الشعوب نفسها أحياناً تتقمص جزءاً من شخصيات جلاديها، وتطمع فيما يطمعون، ومؤسف أن نعايش الحقب التعيسة من دورات حياة الأمم، بينما نعلم أن حقباً مزهرة آتية حتماً لا محالة.
ولكن البشر كما يقول أورويل، وأورويل صادق هنا: «هم كالنمل الذي يرى الصغائر ولا يرى الكبائر»، أو كما قال مما أصاب فيه أيضاً: «الهدف من وراء كل حرب أن تصبح الدولة في وضعية أفضل لشن حرب أخرى»، و»الحرب هي السلام، العبودية هي الحرية، الجهل هو القوة»، أما أصدق ما قال فهو: «ثائر اليوم هو طاغية الغد»، فهذه أثبتها التاريخ وبجدارة، ندعو الله أن يكون في عون الشعوب، وينقذها من أطماع وعبث وإجرام القرود.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.