الجمعة 13 شعبان / 19 أبريل 2019
03:36 م بتوقيت الدوحة

السيادة التي تهم حقاً (1-2)

السيادة التي تهم حقاً (1-2)
السيادة التي تهم حقاً (1-2)
في كتابه الشهير «المثلث السياسي للاقتصاد العالمي»، يؤكد داني رودريك -الخبير الاقتصادي من جامعة هارفارد- أن التكامل الاقتصادي العالمي، والدولة القومية، والديمقراطية لا يمكنها التعايش، في أحسن الأحوال، يمكننا الجمع بين اثنين من الثلاثة، ولكن دائماً على حساب واحدة.
وحتى وقت قريب، أثر ما يسمى بتوافق واشنطن، بتركيزه على الليبرالية، وإلغاء الضوابط التنظيمية، والخصخصة، على السياسة الاقتصادية العالمية، وفي حين أضعفت الأزمة المالية العالمية في عام 2008، مصداقية هذه السياسة الليبرالية، فإن بلدان المجموعة 20 وافقت بسرعة على تجنب السياسات الحمائية التي واجهها توافق واشنطن.
وفي الوقت نفسه، ظل الاتحاد الأوروبي -ولا يزال- التجربة الديمقراطية الوحيدة العابرة للحدود الوطنية، فخوراً بتطوراته الواعدة، على الرغم من أنه مثقل بعدة عيوب، وبعبارة أخرى، فإن التكامل الاقتصادي، الذي يرتكز على الدولة القومية لا يزال ملائماً على الصعيد العالمي، في حين كانت الديمقراطية ثانوية بالنسبة لديناميات السوق الدولية.
ولكن سنة 2016 شكلت نقطة تحول مهمة، على الرغم من أننا ما زلنا لا نعرف اتجاه هذا التحول، وقد ظهر «توافق بكين»، الذي يعتبره البعض نموذجاً بديلاً للتنمية، ويقوم على تدخل حكومي أكبر، ولكن التصويت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب دونالد ترمب رئيساً لأميركا، كان يعكس هذه الخطوة نحو تعزيز التوازن الراسخ بين العولمة والدولة القومية والديمقراطية.
كان شعار الفائزين في «بريكست»: «دعونا نعيد السيطرة»، يعبر عن الشعور الذي يناسب بوضوح الأغلبية الضئيلة من الناخبين البريطانيين، الذين أيّدوا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وبالمثل، فإن العديد من ناخبي ترمب مقتنعون بأنه على القوى المتراكمة من وول ستريت، والفاعلين العالميين، وحتى البلدان الأخرى الاقتناع بفكرة «جعل أميركا عظيمة من جديد».
ولن يكون من الحكمة أن نرفض هذا التشخيص، لمجرد أن المرء يكره المقترحات التي طرحها ترمب وبعض المناصرين المحافظين لـ «بريكست»، إن نهجهم يتمثل في عرقلة العولمة -مع الحفاظ على جوانب أخرى من توافق واشنطن، أو حتى تعزيزها، مثل إلغاء القيود المالية، وتعزيز الديمقراطية من خلال الدولة القومية.
وفي أول ظهور له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ألقى ترمب خطاباً دام 42 دقيقة، استخدم فيه عبارة «السيادة» 21 مرة، أي بمعدل مرة كل دقيقتين، وفي أوروبا، ليست المملكة المتحدة البلد الوحيد الذي سيؤثر فيه تيار الدولة القومية الجديد: توجد بولندا والمجر تحت سيطرتها أيضاً، وحتى الحركة الكتالونية المؤيدة للاستقلال، التي تتزعمها أحزاب مختلفة، ومعظمها غير راضٍ عن تصنيفها «كمناهضة للعولمة»، تتبع منطقاً مماثلاً للتراجع نحو القومية.
وجميع هذه القوى تبالغ في تقدير قدرتها على التخفيف من، أو التغاضي عن، التكامل الاقتصادي القائم الذي عززه في العقود الأخيرة التطور الاقتصادي السريع العابر للحدود، وما لم تتراجع هذه القوى عن مسارها، فإنها ستكون أكثر عرضة لتخفيف التأثير الذي يمكن أن تمارسه دولها القومية على العولمة «أو الدول التي تسعى إلى إنشائها».
وباختصار، فإن زيادة السيادة الرسمية يمكن أن تؤدي إلى فقدان السيادة الفعالة، وهو النوع الذي يهم حقاً.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.