الإثنين 22 رمضان / 27 مايو 2019
10:36 ص بتوقيت الدوحة

تغريدة

فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا..

فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا..
فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا..
ذكر القرآن الكريم قصصاً شتى من أحوال الأمم السابقة، وبيّن كيف كانت معيشتهم، وما الذي بدل أوضاعهم من الخير إلى السوء، لما فعلوه من كفر للنعم، وغاية القرآن من هذا الذكر هي التدبر وأخذ العبرة، قال تعالى: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب".
من أعظم الحضارات السالفة التي سادت ثم بادت حضارة مملكة سبأ، التي سكنت اليمن، وأنشأت فيها سد مأرب العظيم، وقد وصلوا من التطور والتمدن مبلغاً فائقاً، فأجادوا استخدام أسلوب الري، وهذا الذي حوّل ضفتي هذا السد إلى جنتين مدهامتين شديدتي الخضرة.
لكن قوم سبأ -كعادة الجبابرة المتكبرين- نسوا فضل الله عليهم، ونسبوا كل هذا الفضل لأنفسهم، وللعلم الذي وصلوا إليه، وكانوا ينتقلون في تجارتهم من اليمن إلى جهات شتى مثل الشام، ولا ينقطع بهم الطريق، ويجدون كل المؤن التي يحتاجونها في قرى عامرة واضحة المعالم.
وكانت هذه الرحلات آمنة، يسير فيها الركبان دون خوف من قطاع الطرق، وكانت المسافات بين القرى معروفة، واختلف المفسرون في أسباب نكرانهم لهذه النعمة وتمنيهم زوالها، ولا عجب، فالإنسان أحياناً يمر بحالات سفه ليحفر قبره بنفسه، ويخرب بيته بيديه.
وقد يشعر الإنسان بالملل من النعمة، ويشعر أن السعادة في التعب والشقاء، ويكره الجمال ويرى الخير في القبح والبشاعة والدمار، وهذا ما نراه مشاهداً في بعض المجتمعات التي دمرتها المادية، حيث نجد كثرة حالات الانتحار، وتشويه الوجوه، وعبادة الشيطان، واستبدال هدوء الحياة بالصخب.
لم يدم النعيم طويلاً، حتى قال الجبابرة في مملكة سبأ: "ربنا باعد بين أسفارنا"، فاستجاب الله دعوتهم، فأرسل سيلاً مدمراً عارماً، أغرق جنانهم ودمر تربتها الخصبة، الأمر الذي جعل قبائلها تتشتت في أرجاء شبه الجزيرة العربية وشمالها، وجعلهم حديث الناس وعبرة للمعتبرين.
ما أشبه حوادث التاريخ بما يقع في الحاضر، ولكنه يقع الآن بشكل أشد إيلاماً، فكما قال ماركس: "التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة" فنجد أن الله قد أنعم على بعض الدول بتقارب شعوبها وتواصلهم، وجعل بينهم نسباً ورحماً.
فيأتي السياسي الفاسد ليدمر هذه الأواصر، ويقطع كل سبيل لصلة الرحم التي جعل الله قطعها من الإفساد في الأرض، ويوغل في جبروته حتى يضع كل جهده وخططه في كيفية الإفساد بين الشعوب، وتدمير مقدراتهم، والسيطرة على ثرواتهم، ولكن لا شك في أنه كما حدث للقرون البائدة، فإن هذا التدبير لن يضر إلا صاحبه، فهذا هو عدل الله عز وجل.
تغريدة: يقول الفيلسوف الألماني هيجل: "إن الأحداث الكبرى في التاريخ عادة ما تتكرر مرتين"، فهل نشهد تكرار طوفان مأرب مرة أخرى؟!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.