الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
10:46 ص بتوقيت الدوحة

سكون

المثقف والسلطة!

المثقف والسلطة!
المثقف والسلطة!
‏في الأزمنة الغابرة، وأثناء صراع السيف والقلم، قيل: «رُبَّ قولٍ أَشدُّ من صَوْلٍ»، يشكّل المثقف أداة فعالة في بناء الأفكار الصلبة، حيث إنه منوط به اختراق الأنماط الجامدة التي تفرض قيوداً على الفكر الإنساني، بالإضافة إلى مسؤوليته عن وضع مبادئ للأسئلة التي يثيرها الواقع المباغت، فهو صاحب مشروع الإصلاح الثقافي والأخلاقي، وهذا ما سمّاه المفكر والقائد السياسي أنطونيو غرامشي «1891-1937» بالمثقف العضوي.
‏قال إدوارد سعيد: «لا يجوز أن يقتصر عمل المثقفين على تحديد الوضع فقط، ولكن على إدراك إمكانية التدخل الفعال أيضاً».
في عالمنا العربي -بما فيه الخليج- للمثقف حضور متواضع، ولا يليق بالتحولات والانعطافات المصيرية للدول والشعوب، بل ما زال كثيرون يعيشون في أبراج عاجية، ومنهم من لا يستطيع الخروج من جلباب الفقيه، حتى لو كانت الأمور التي يتم تناولها مدنية صرفة، وهناك من أساء إلى سلطته الأدبية، فتعاون مع السياسية ضد الشعوب وقضاياها، وظفر بمزايا مادية وأدبية «أطعم الفم تستحِ العين»، وفي أزمة الخليج نلاحظ ذلك، حيث إن كثيراً من المثقفين اقتاتوا عليها، وحصلوا على حيثية سياسية واجتماعية، وينطبق عليهم قول الشاعر:
‏ألقاب مملكة في غير موضعها
‏كالهِرِّ يحكي انتفاخاً صولةَ الأسد
الثورة الفرنسية التي أعادت تشكيل أوروبا والعالم، قادها نخبة من المثقفين مثل فولتير، روسو، ومونتيسكو، فكانت مطالب الثوار أفقية، وإلى اليوم الجميع ينعم بثمارها، لكن ثورات الربيع العربي تمخضت عفوية دون خطام ولا زمام، ولم تتدخل النخبة من المثقفين لبناء بنية تحتية من الأفكار والنظريات، فكانت المطالب عشوائية، وعمودية بمعنى: كلٌّ يطلب بحسب مصلحته، فالارتهان للسياسة، ومداهنة صنّاع القرار، وتقديس الرموز من أجل مواقع ومنافع، سبب من أسباب الانسداد السياسي، وأصبح المثقف أداة تخدم السلطة، فيبرّر ما يفعله النظام، أو يعتبر ما يقوم به أهون من الفوضى كما عند الفقهاء الإسلاميين الكلاسيكيين، «إمام غشوم خير من فتنة تدوم»، وهو بهذا التزلف من السلطة ينسلخ من الجماهير، ويعمل على تزييف الوعي.
المثقف له دور استراتيجي مهم، لذلك قال نابليون: «إذا رأيتُ مثقفاً تحسستُ مسدسي»، فهو منتج للمعرفة ومساهم في صياغة العقل الجمعي عن طريق الكلمة، ووفقاً لمبدأ: «قولة حق عند سلطان جائر»، وهو ليس وصياً على العقول ولا شرطياً على الأفكار، بل هو يقوم بدور ريادي يخدم المجتمع والدولة، كما فعل المثقف العضوي «غرامشي»، الذي كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالشأن العام، ونعوم تشومسكي الذي له دور في تعريف علاقة الأنا والغير في عالم العولمة، وهذا لا يعني أن تكون هناك قطعية مطلقة بين المثقف والسلطة، وإنما يكون هناك تعاون بينهما، فالمنافحة عن قضايا مهمة دور اضطلع به المثقف، وإلا لصدقت مقولة ابن خلدون: «إن الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع»، وبغيابه تنشأ علاقة سببية بين تدني الوعي والاستبداد.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا