الجمعة 15 رجب / 22 مارس 2019
07:49 ص بتوقيت الدوحة

السياسة ومصاصات الأطفال!!

247
السياسة ومصاصات الأطفال!!
السياسة ومصاصات الأطفال!!
لم تشهد الحياة السياسية في تونس -على مدى تاريخها- انحداراً قيمياً مثل الذي يحدث هذه الأيام، حيث يصل نواب الشعب إلى التنابز بالألقاب القبيحة جداً، فيتهم نائب «زميلته» المعارضة الشرسة بالفسق والفجور، ثم يغمز بقصة رقصها في سهرات ماجنة، ويبتاع نائب «شرس» آخر 5 مصاصات ليشهرها في وجه رئيس الحكومة، ظناً منه أنه نجح في لفت أنظار الجمهور الذي يتابعه في المباشر على التلفزيون لعدالة قضيته!
وفي نفس مجلس النواب الذي يوصف عادة بـ «المحترم»، تتهجم نائبة «إسلامية» على رئيسها، وتقول له بالحرف: «أنا أشرف وأنظف وأرجل منك» وسط ذهول وصدمة الناس!
ثم يأتي المحللون ليتساءلوا بعد ذلك: لماذا ارتفعت معدلات الانتحار بشكل جنوني بين الشباب؟ ولماذا يمتطي ثلثا التونسيين صهوة التشاؤم بمستقبل البلاد؟ ولماذا ترك عموم الناس العمل وانهمكوا في الجدل؟ أوليس الناس على دين ملوكهم؟ فلِمَ لوم الأطفال على الرقص إذا كان رب البيت بالدف ضارباً؟!
كثيراً ما يردد عتاة المراقبين، ومغاوير السياسة في تونس، أن أزمة البلاد المستفحلة سببها النظام السابق، وتمسك النظام الجديد بمنوال تنمية عتيق، يعود وضعه إلى «عقود الخراب»، قد يكون في الأمر بعض الصحة، لكن كثير الصحة نجده في أن الطبقة السياسية الحالية تنتمي في جلها -بموالاتها وبمعارضتها- إلى الحقبة السابقة، مع فارق وحيد يتمثل في نهم شديد يحيط «بكعكة» الحكم التي لم يتغير حجمها، في حين ازدادت أعداد الأفواه المفتوحة لالتهامها، وقد انضم للزحمة من حول «الكعكة» جياع آخرون، كانوا وما زالوا يعتقدون أنهم الأحق بالتجمع حولها ونهشها في السابق، بدون أن يبذلوا أدنى جهد من أجل تكبير «الكعكة» حتى تفي حق الجميع في النهش.
فالواقع أن تونس لا تحتاج إلى منوال تنمية جديد، بقدر حاجتها إلى منوال تفكير جديد، ليس بمقدور الطبقة السياسية الحالية إدراكه، لأنها -ببساطة- مرتبطة ذهنياً بمنوال التفكير العتيق، الذي لا يساعد فرداً ولا مجموعة ولا طبقة ولا قطاعاً على التميز، وعلى الخروج بالبلاد من عنق الزجاجة، لأنهم عنق الزجاجة ذاتها!
وأول متطلبات منوال التفكير الجديد، هو ترك الساحة للشباب المبدع، فلا يعقل أن يسيطر من جاوزوا الستين خريفاً على القرار السياسي -سلطة ومعارضة- في بلد أكثر من 65 % من مواطنيه شباب، كثير منهم حصلوا تعليماً حديثاً لا علاقة له بما تعلمه المتحكمون في مصائرهم، بدليل أنه في نفس الأسبوع الذي حقق خلاله شاب تونسي جائزة عالمية في الرياضيات بكندا، لم يجد نائب الشعب من إبداع سوى ابتياع 5 مصاصات ليشهرها أمام الكاميرات في جلسة مساءلة رئيس الحكومة، وفي الجانب الآخر من القاعة المهيبة، شبع البعض في البعض الآخر سباً وشتماً، فلم يخرج التونسيون من يومهم ذاك إلا ببشائر يوم قادم أكثر قتامة من الذي مضى، لأن ممثليهم -في السلطة كما في المعارضة- يعيشون في واقع بعيد عن واقع البلاد والعباد، وهو تماماً ما حدث في أواخر أيام النظام السابق.
غير أن التاريخ لا يعيد نفسه، وإن فعل، فالمرة الأولى ملهاة، وفي الثانية مأساة، حتى وإن كانت مصاصات الأطفال مجلبة للضحك، لكنه ضحك كالبكاء.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الثورة خائفة من الثورة!

30 ديسمبر 2018

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

رياح صفراء!

16 ديسمبر 2018