الثلاثاء 20 ذو القعدة / 23 يوليه 2019
02:28 ص بتوقيت الدوحة

جذور القبلية الغربية (1-2)

جذور القبلية الغربية (1-2)
جذور القبلية الغربية (1-2)
في رواية هيرمان هيس «رحلة إلى الشرق»، يصف شخص مبتدئ في مجموعة دينية تُعرف باسم «العصبة» نفسه في صورة بجانب زعيم المجموعة ليو، قائلاً: «يبدو أنه، في الوقت المناسب، كل مادة من صورة واحدة سوف تتدفق إلى الأخرى، وسوف تبقى في الأخير واحدة فقط: يجب على ليو أن يتطور، أما أنا فينبغي أن أختفي».
هنا يصف هيس تضحية الفرد من أجل قضية كبرى، لكنه يصور أيضاً كيف يخلق الناس أبطالهم، سواء كان فلاديمير لينين، تشي جيفارا، آية الله الخميني، هوجو شافيز، أو حتى دونالد ترمب، «الأبطال» في عين الناظر، فهي مثالية انعكاسات الذات، وكما يوحي وصف هيس، فإن الصورة البطولية تتغذى أيضاً من الذات، لدرجة أن الفرد يجب أن يختفي.
القبلية هي في صميم هذه العملية، ولأن لدى البشرية شوقاً عميقاً للشعور بالانتماء والقيادة، فإن البشر يشكل بطبيعة الحال مجموعات مع قادة راسخين، بعض المجموعات هي مظاهر إيجابية للتعاون والتضامن بين الأفراد، ولكن عندما تقوم الجماعات على أيديولوجية أو قبيلة معينة، فإنها يمكن أن تصبح تمييزية وقمعية تجاه غير الأعضاء، وخاصة إذا كان زعيم الاستبداد الكاريزمي هو المسؤول.
ويشير ظهور الحركات الشعبوية والقومية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا ودول أوروبية أخرى، إلى أن القبلية آخذة في الارتفاع في الغرب، وقد ركزت الحركات الشعبوية رؤيتها على المهاجرين والعولمة عموماً، ولكن، كما هو الحال مع جميع أشكال القبلية، تشكل هذه الحركات أكبر خطر على الفرد، فالتابعون ملزمون بالتعبير عن الولاء للقبيلة ورئيسها، ولكن لأن القبيلة لا تحتج بأية معارضة، فإن الأحزاب القبلية تميل إلى الانحلال بسرعة إلى فصائل متنافسة.
هناك تفسيرات كثيرة لما آل إليه عصرنا الجديد من السياسات القبلية، وبالنسبة لكثيرين، السبب الرئيسي هو عدم المساواة الاقتصادية، وفي حين أن الأغنياء أصبحوا أكثر ثراء، فقد تُرك العمال الريفيون من ذوي الياقات الزرقاء والفقراء، ليدافعوا عن أنفسهم ضد المهاجرين واللاجئين وقوى العولمة، ولكن حتى لو أفادت العولمة بعض الجماعات والمناطق أكثر من غيرها، فإنها لا تفسر السياسة القبلية اليوم، في الواقع، انعدام العولمة في بعض المناطق يفسر القبلية.
ومن الجدير بالذكر، أن معظم ناخبي ترمب لم يكونوا لا من الفقراء، ولا من ذوي الياقات الزرقاء، ولكنهم يقيمون إلى حد كبير في المدارات الحضرية والمدن الصغرى التي لم تستفد من العولمة إلى حد كبير، ويتضح هذا الانقسام الحضري - الريفي نفسه، في كل بلد شهد تصاعد الشعبوية القبلية في السنوات الأخيرة.
علاوة على ذلك، إذا كانت العولمة -وعلى وجه التحديد الهجرة- هي من دوافع عدم المساواة، فإن المدن الكبيرة التي يتقاسم فيها اللاجئون والمهاجرون والمجتمعات الأفقر نفس المساحة، يجب أن تكون مسرحاً للاضطرابات السياسية، وحتى في النمسا وفرنسا وألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وأماكن أخرى، تميل الأحزاب القومية والشعبوية إلى استقطاب مؤيديها خارج المدن الرئيسية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.