الجمعة 21 ذو الحجة / 23 أغسطس 2019
11:07 م بتوقيت الدوحة

الغرض من القوة الحادة (1-2)

الغرض من القوة الحادة (1-2)
الغرض من القوة الحادة (1-2)
في السنوات الأخيرة، صبّت روسيا والصين قدراً كبيراً من الموارد في ميادين ترتبط عادة بما يُسمّى «القوة الناعمة»، وهو المصطلح الذي صاغه العالِم السياسي الأميركي جوزيف س. ناي، والذي فُهم بوصفه «القدرة على التأثير على الآخرين عن طريق الجذب والإقناع». وقد كرّست كل من هاتين الدولتين المليارات من الدولارات لزيادة نفوذها العالمي، من خلال وسائط الإعلام، والثقافة، والمراكز الفكرية، والأوساط الأكاديمية، وغير ذلك من المجالات.
ولكن على الرغم من هذه الاستثمارات الهائلة، راح المراقبون -ومنهم جوزيف ناي ذاته- يتساءلون متحيرين لماذا تظل هذه الأنظمة الاستبدادية تعاني من عجز شديد في القوة الناعمة، حتى على الرغم من تعاظم نشاطها على الصعيد الدولي.
تميل كل من روسيا والصين إلى تحقيق نتائج سيئة في استطلاعات الرأي العام ومؤشرات القوة الناعمة؛ مما يعزز الفكرة القائلة بأن الجذب والإقناع لا يتفقان مع الاستبداد. وعلى المستوى الدولي، «لا يفوز الحكام المستبدون بالقلوب والعقول». ومع ذلك، تواصل روسيا والصين -وغيرهما من الأنظمة الطموحة الوفيرة الموارد- استعراض قدر من النفوذ خارج حدودها أكبر من أي وقت مضى في الذاكرة الحديثة -وليس في الأساس- من خلال ما يسميه ناي «القوة الصارمة»: القوة العسكرية أو القسر الاقتصادي الفج.
من المؤكد أن روسيا استخدمت القوة العسكرية بنمط متكرر في العقد الماضي، في جورجيا وأوكرانيا وسوريا على سبيل المثال. لكن المقاتلات الروسية النفاثة والدبابات ليست هي التي تدفع طفرة النفوذ العالمي التي تشهدها موسكو. على نحو مماثل، تستعرض الصين عضلاتها العسكرية في بحر الصين الجنوبي وعلى طول حدودها المتنازع عليها مع الهند. ولكن مثلها كمثل روسيا، كانت الصين أكثر نشاطاً في استخدام أشكال أخرى من النفوذ على مدار العقد المنصرم.
ولهذا، أصبح المنظّرون في ورطة؛ فهذه الأنظمة لا تعتمد أساساً على القوة الصارمة، وهي غير ناجحة في توليد القوة الناعمة، ولكنها تظل رغم ذلك قادرة على فرض نفوذ حقيقي في الخارج. ونظراً لعودة الاستبداد إلى الانتشار في مختلف أنحاء العالَم، فإن الوقت مناسب الآن للتأمل في هذه المفارقة الظاهرية.
لاحظت صحيفة «فيننشيال تايمز»، مؤخراً، أن الصين -في «جهودها الرامية إلى بناء قوة ناعمة خارج حدودها»- تحتاج إلى «تحري أساليب أكثر لطفاً وسلوك نهج أكثر تبادلية وأقل استبداداً». وفي تعليق حديث، يبدي جوزيف ناي ملاحظة مماثلة مفادها أن «الصين قادرة على توليد المزيد من القوة الناعمة إذا خففت بعض الشيء من سيطرة حزبها المحكمة على المجتمع المدني». وبوسعنا أن نقول نفس الشيء عن روسيا وغيرها من الدول التي تقودها حكومات تعطي الأولوية لسيطرة الدولة قبل الانفتاح، والثقافة المستقلة، والمجتمع المدني، وكل هذا يمثّل مكونات بالغة الأهمية للقوة الناعمة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا