الجمعة 15 رجب / 22 مارس 2019
06:48 ص بتوقيت الدوحة

الديمقراطية ليست فقط الانتخابات (2-2)

150
الديمقراطية ليست فقط الانتخابات (2-2)
الديمقراطية ليست فقط الانتخابات (2-2)
وعلى الرغم من أن العولمة والهجرة يمكن أن تكونا نقاط ضغط سياسية، فإن جذور السلوك الانتخابي تكمن اليوم في تطورات مترابطة منها أن المواطنين في الغرب أصبحوا تدريجياً أقل تنظيماً سياسياً وأكثر أنانية، وفي جميع الديمقراطيات الليبرالية، ظلت العضوية في الأحزاب السياسية تنخفض منذ فترة طويلة، بسبب التغيرات التي حدثت بعد الحرب في التعليم والمعايير الاجتماعية والثقافة الشعبية، التي تؤكد على التفكير النقدي والتعبير عن الذات، والنتيجة هي ما سماه عالم الاجتماع الأميركي ديفيد ريسمان: «الأفراد الموجهون داخلياً»، الرجال والنساء أصحاب التفكير «الديكارتي» الذين يفكرون لأنفسهم.
ومن المؤكد أن هذا يعكس جزئياً الإجهاد بسبب عقود من تعزيز الديمقراطية من جانب الغرب، والأكثر من ذلك، أن الديمقراطية تتعرض للتهديد المباشر في البلد الذي ينبغي أن يكون لها فيه جذور ثقافية وسياسية عميقة.
وكما أشار ترمب، فإنه لا يرغب في تجنب تكرار السياسات الفاشلة في الماضي فحسب، بل استهدف هو ومناصروه المؤسسات الأساسية التي تقوم عليها الديمقراطية الأميركية، بما في ذلك المحاكم والهيئة التشريعية ووسائل الإعلام المستقلة وغيرها.
وقد تحدث الضابط العسكري البروسي في القرن التاسع عشر، والمنظر كارل فون كلاوسفيتز، عن عصر الحرب الشاملة الذي سيأتي بعد أقل من قرن من وفاته، لكنه لم يتحدث عن العصر المقبل للسياسة الكلية، حيث سيتم الضغط على جميع مؤسسات المجتمع لخدمة صراع أيديولوجي شامل، إن أميركا الآن في خضم صراع مماثل، وكيفية التعامل معه سيُطلع بلداناً أخرى على كيفية مواجهة صراعات مماثلة خاصة بها.
إن أزمة أميركا الداخلية، تمنعها من أداء دورها الدولي التقليدي كمصدر للتأكيد المؤسسي ووكيلاً للتغيير، وطوال فترة ما بعد الحرب، دعمت الولايات المتحدة الأمن الجماعي من خلال منظمة حلف شمال الأطلسي وغيرها من المؤسسات، وكانت أكثر استعداداً لمواجهة التهديدات الإقليمية والعالمية، غالباً مع دعم عدد قليل من حلفائها.
وللأسف، لا يُظهر ترمب أي احترام لهذا الإرث، أو لتقليد أميركا حول التفاؤل والثقة في مؤسساتها، فهو إما لا يدرك أو لا يهتم، بأن النظام الأميركي للحكم كان المصدر الرئيسي للمكانة العالمية التي يحظى بها البلد، بدلاً من ذلك، يرفض ترمب صعود أميركا التاريخي، ويعتبرها مثالاً من الوهم الذاتي والسذاجة، وهدفاً للمستغلين في العالم.
إن صمت أميركا يصم الآذان، وفي سوريا، تنازلت الولايات المتحدة عن المنطقة للآخرين، على الرغم من أن المعركة هناك يمكن أن تحدد مستقبل الشرق الأوسط المسلم، وفي الوقت نفسه، فإن رفض إدارة ترمب لاتفاقيات التجارة والاستثمار عبر المحيط، قد أربك حلفاءها وشجع منافسيها، كما تفتقر وزارة الخارجية الأميركية الآن -بغض النظر عما قد يقوله قائدها المعفى من من منصبه ريكس تيلرسون- إلى النطاق العالمي، وبدون الدبلوماسية الاستباقية، فإن الولايات المتحدة سوف تختفي بسرعة على الصعيد الدولي، وسوف تُعوضها الصين. ولكن ترمب قد فاز بالانتخابات في عام 2016، وبذلك فإنه يرفع الإصبع الملون، كما لو كان الشيء الوحيد الذي يهم، وفي العام المقبل، سيكون الأمر متروكاً للأميركيين من كل الشرائح، وتوضيح أن الديمقراطية تعني أكثر من ذلك بكثير.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.