الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
07:52 م بتوقيت الدوحة

البقاء في عالَم ما بعد الحقيقة (1-2)

البقاء في عالَم ما بعد الحقيقة (1-2)
البقاء في عالَم ما بعد الحقيقة (1-2)
على الرغم من الأباطيل التي يروج لها بعض الساسة، فإن الحقائق تظل على أهميتها، واستيعاب هذه الحقائق على الوجه الصحيح ضرورة أساسية للبقاء. وأنا أعلم هذا عن يقين؛ لأنني أرى بانتظام العواقب المهلكة المترتبة على تناول الحقائق على نحو خاطئ.
أنا باحث في مجال علوم البيئة السلوكية (الذي يدرس الأساس البيئي والتطوري لسلوك الحيوان، وأدوار السلوك في تمكين الحيوان من التكيف مع بيئته)، وأنا أدرس كيف تقيّم الحيوانات خطر الافتراس وتتعامل معه، ولكن بدلاً من دراسة الحيوانات المفترسة القوية المبهرجة -بأسنانها الحادة، وأساليبها المستترة، وقدراتها المبهرة في العدو والمطاردة- أركز على طعامها.
تسيء بعض حيوانات الوَلَب (كنجر أسترالي صغير) استخدام الحقائق، فكثيراً ما تتجاهل هذه الوجبات الخفيفة -التي تسير على أربع- المعلومات الماثلة أمامها مباشرة، مثل الحفيف والخشخشة بين الشجيرات على أرض الغابة أو رائحة آكل لحوم عابر، ويدفع الوَلَب ثمن هذا الجهل غالياً، فيتلقى ضربة وحشية مفاجئة من مخالب حادة، أو يعتصره فكان قابضان قويان.
بيد أن بحثي أظهر أن العديد من الوجبات المحتملة -ومن بينها المرموط، والطيور، والسحالي، والأسماك، واللافقاريات البحرية اللاصقة- أفضل في تقييم المخاطر. في عام 1979، تحدث عالما البيئة ريتشارد دوكينز وجون كريبس عن "مبدأ العشاء الحي"، الذي يفيد بأن الفرائس، التي قد تخسر حياتها، تصبح ناجية مبدعة؛ إذ يزودها خطر الالتهام -وبالتالي إزالتها من مجمع الجينات- بحافز قوي لتحسين أدائها. أما عن المفترس، فإن عاقبة الفشل الوحيدة هي احتمال الجوع إلى أن تأتي الوجبة التالية.
ونحن نرى مبدأ العشاء الحي يعمل في كل مكان من حولنا، فعندما تتجمع طيور الشواطئ أو البط معاً عندما يظهر كلب على الشاطئ أو على بِركة ما، فإن هذا يرجع إلى أن الطيور تدرك أن السلامة في الأعداد الكبيرة. ويفعل البشر الشيء نفسه. فنحن نستشعر قدراً أكبر من القلق، على سبيل المثال، عندما نركب الأمواج وحدنا؛ لأننا نعلم أنه في حال أرادت إحدى أسماك القرش تناول وجبة من الألياف الزجاجية أو النيوبرين، وهو حدث بالغ الندرة، تتزايد احتمالات نجاتنا عندما يكون لدى القرش أهداف متعددة يختار من بينها.
والحيوانات مثل البشر تماماً، تحتاج إلى بيانات صادقة يمكن التعويل عليها لاتخاذ قرارات سليمة. ذات مرة، حينما كنت أدرس حيوان المرموط عند سلسلة جبال قراقرم بين الصين وباكستان، كاد افتقاري إلى الحقائق يُفضي إلى مقتلي، فقد تسببت عاصفة مطيرة جائحة وما نتج عنها من انهيارات أرضية في انقطاعي عن كل سبل الخروج من موقع دراستي، الأمر الذي أدى إلى إرباكي وأنا أحاول الخروج، ومع تفاقم الوضع سوءاً، كان من المستحيل وضع استراتيجية للخروج.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.