الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
09:39 م بتوقيت الدوحة

إطلالة

نشغل أنفسنا بمصيره؟

نشغل أنفسنا بمصيره؟
نشغل أنفسنا بمصيره؟
كلما مات عالم جليل، أو مخترع مشهور، أو كاتب ملهم حاول أن يلطّف باكتشافاته ودراساته من قبح هذا العالم، تندلع نقاشات، وحصرياً لدى (العرب والمسلمين) لها أول وليس لها آخر، مجملها: أنه كافر ولا يجوز الحزن عليه، أو ذكر محاسنه ومواقفه.. ويسرعون بالقول: هذا ملحد وعليه من الله ما يستحق!
مناسبة الحديث هي النقاشات وردود الأفعال التي دارت -وما زالت- حول وفاة العالم الفيزيائي البريطاني، ستيفن هوكينج، أشهر علماء الفيزياء النظرية في العالم الحديث.. بعض تلك الآراء غلب عليها الحزن والتضامن والحديث عن علمه، والتعبير عن فخرهم به، بينما اتخذت الأخرى جدلاً حامي الوطيس حول مصيره، وفيما إذا يجوز «الترحّم» عليه، وهل سيدخل الجنة أم النار؟ ووصل الأمر بتكفير من يثني على إنجازاته العلمية!
لا أخفيكم أنني تابعت مذهولاً كمية «البوستات» التي انشغلت بمصير هوكينج، حيث منحوه الصكوك وبطائق العضوية لاستحقاق الرحمة من عدمها، وحكموا على مصيره الأخروي، بعد أن نعتوه وقالوا إنه عدو الله وزعيم الملحدين. انشغلوا أيما انشغال بآخرته، وتناسوا كل إسهاماته واكتشافاته وعلمه في الفيزياء، ونظرياته في ديناميكا الكون، والتسلسل الزمني.
تناسوا أن أمثال هوكينج هم من صنعوا فرقاً في الحياة، وانشغلوا بمناقشة إعطائه الرحمة أم الانتقام، أليست الرحمة بيد خالقها؟ طيب، إذا لم نترحم على من صنعوا فرقاً في حياتنا وتاريخنا وفي العلم والتقدم، أنترحم على من يملأون العالم دماراً ودماً وإجراماً وطغياناً وترويعاً؟ أم على أولئك الذين ولدوا وماتوا ولم يفعلوا شيئاً يُذكر في هذه المعمورة ويفيد البشرية؟!
بالله عليكم، لماذا نشغل أنفسنا بهذا الأمر؟ فما شأننا إن كان سيدخل الجنة أم لا؟ وما يضيرنا إن دخلها؟ هل كان سيأخذ مكان أحدنا مثلاً؟ لماذا نقحم أنفسنا في توزيع صكوك الغفران، ومنح تأشيرات الدخول إلى جهنم أو الجنة؟ أو الوقوف حتى على الأعراف؟
قد لا تكون المقارنة صائبة هنا، ولكن دعونا نذكّر بها؛ أبو طالب عم الرسول (ص) مات بين يدي النبي كافراً «بشهادة الوحي»، فلم يمنع ذلك النبي من ذكر مواقفه ومحاسنه القويّة تجاه الحقّ، والرسول نفسه امتدح كرم حاتم الطائي، وشعر أمية بن الصلت، وهما غير مسلمين.
ستيفن هوكينج له مواقف مشرّفة مع حركات التحرر الوطني، وقف إلى جانب الفيتناميين والفلسطينيين والسوريين والعراقيين، وكان ضد السياسات الإسرائيلية، وانضم لحملة مقاطعة إسرائيل، وامتنع عن حضور مؤتمر دولي في تل أبيب. فالثّناء على الموقف لا يعني الثّناء على الدين والاعتقاد. فالمواقف ظاهرة، والاعتقاد والإيمان أمر خفي موكول إلى عالم السّر وأخفى.
فاصلة:
وبعيداً عن مواقفه السياسية، يبقى لستيفن هوكينج أيادٍ بيضاء على البشرية، فقد صاغ أحد أضخم نظريات العلم المعاصرة، وألّف كتباً ومقالات وبحوثاً هي الأكثر تأثيراً في العلوم المعاصرة.
مؤسف ما نحن فيه، وما وصلنا إليه في نقاشاتنا ومواقفنا الإقصائية، فالأولى أن ننشغل بمناقشة أطروحاته ونظرياته المعرفية وقصة إرادته الفذة بدلاً من مصيره الروحاني. فمتى سنتوقف عن إقحام ديننا الحنيف في أشياء لم يطالبنا الله بها؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا