الثلاثاء 19 رجب / 26 مارس 2019
01:06 م بتوقيت الدوحة

سرعتان قاتلتان في «بلاد الملائكة»

210
سرعتان قاتلتان في «بلاد الملائكة»
سرعتان قاتلتان في «بلاد الملائكة»
مفارقة عجيبة تعيشها البلاد التونسية منذ بضع سنوات، وتتلخص في السير بسرعتين متفاوتتين تفاوت سرعة الضوء مع سرعة السلحفاة.. حيث والبلاد على تلك الحال التي يعرفها القاصي والداني، ما زال بمقدورها ابتداع القوانين والتشريعات التي تحلم بها الشعوب الاسكندنافية! تطالب بها النخب «بكل حزم»، ويجد النواب والساسة في البلاد الوقت الكافي لمناقشتها «بكل جدية»!
من ذلك على سبيل المثال، لا الحصر، قانون حق النفاذ إلى المعلومة الذي يجرّم حجب المعلومة عن طالبها أياً كان-، وقانون حماية المعطيات الشخصية الذي يعطل وزارة الداخلية عن إصدار بطاقة هوية للمواطنين، كما تراها مناسبة للأمن العام، وقانون مجلة الجماعات المحلية الذي يسمح لأي مجلس بلدي في أي قرية نائية بأن ينفصل عن الدولة، وأن يسنّ قوانينه الخاصة به، بما في ذلك منع الدخول والخروج منها تحت أية علة أمنية أو صحية أو سواها، وقانون المجلس الأعلى للقضاء الذي يساوي بين ذهاب وزير العدل إلى مكتبه أو النوم في بيته، وقانون مقاومة التعذيب الذي يقلم مخالب الشرطي أمام أعتى المجرمين، ليصبح كالقط الخائف من الفأر، وقانون المحكمة الدستورية العليا الذي يصغر أمامه كل كبير في الدولة.. وترسانة لا تحصى ولا تعد من القوانين ومن مشاريع القوانين التي ستحوّل تونس إلى المدينة الفاضلة، التي حلم بها التاريخ الإنساني ولم ينجز ربعها إلى اليوم، لأن الشيطان يقف ضدها ويصدها!
في بلاد الملائكة تلك، نجد أيضاً أن مخزونها من العملة الصعبة التي يفترض أن تغطي وارداتها قد انحدر إلى مستوى غير مسبوق بـ 78 يوماً فقط.. وفيها عجز تجاري بلغ 924.07 مليون دولار -بحسب آخر الأرقام الرسمية- ونسبة بطالة تطاول السماء بـ 15.5%.. وعدد إضرابات عن العمل بثلثي السنة (247 إضراباً، موزعين على 205 إضرابات بالقطاع الخاص، و42 إضراباً بالقطاع العام في سنة 2017)، حسب معطيات وكالة تونس إفريقيا للأنباء الرسمية.. وعملة محلية تكافح من أجل بقاء الماسك بها على قيد الحياة، كالقابض على الجمر، ونسبة تضخم وصلت إلى 7.7% حسب نشرات البنك المركزي، بالإضافة إلى حرائق يومية بالمعنى الناري وبالمعنى السياسي والاجتماعي والأمني، تندلع ألسنة لهبها من كل مكان وفي كل وقت!
في بلاد الملائكة تونس، تكلفك شركة أثاث مرموقة، عيون رأسك ثمناً لمنتجها متوسط الجودة، وثمناً لأدوية الصداع والصبر من أجل خدمة غير مكتملة، وتعامل بلا عهد ولا ميثاق.. فتكره حياتك متى دخلت مع الحرفيين في أول عملية، من تركيب صنبور في المطبخ للحصول على مقعد محترم في الطائرة، مروراً بحفر الطريق، وآفاته السبع.. في بلاد الملائكة التي تجدّ وتكدّ حكومتها لاستجلاب الاستثمار الخارجي!
شيآن فقط يستحقان التمجيد في بلاد الملائكة.. أولهما إسهال التعبير، حتى إنه يمكن لأي كان تحبير صفحات قاتمة بمساوئ الفاعلين فيها، خاصة وعامة، بدون أن تتحرك فيهم شعرة، وصبر يقف النبي أيوب عاجزاً أمامه عن الصبر.. صبر الحاكم على المحكوم، وصبر المحكوم على الحاكم، ما دام حاكماً!
في المحصلة، لا يمكن إلا التصديق بالبصمات العشرين، على أن تونس بلد سياحي جميل، بما حباه الله من نعم طبيعية لا تحصى، لكن جنياً ركب أهله، فقرروا -إلا من رحم ربك- إفساد هبة الإله، كما أفسد بيزنطة بذانيك السرعتين المتفاوتتين القاتلتين.. حيث لم يدر بخلد مؤرخ يوماً ما أن يكتب شهادة للتاريخ بأن جحافل جيش العثمانيين بقيادة السلطان محمد مراد قد دخلت القسطنطينية، وأحاطت بها من كل جانب، وحاصرتها ثلاثة أسابيع متوالية، فيما كان أعضاء مجلس شيوخ بيزنطة يتجادلون في هوية الملائكة وجنسها.. هل هي إناث أم ذكور؟ وفي ماهية المسيح وحقيقة الأقانيم الثلاثة.. لم يكن هؤلاء يعيشون في الواقع، كانوا خارج الزمان، وخارج المكان، وفيما دخل الجنود طرقات القسطنطينية وجابوا شوارعها، لم يتوقف الجدل البيزنطي حتى قُتل ملك القسطنطينية، وانهارت عاصمة الكنيسة، ومُحي اسمها من الجغرافيا، لتتحول إلى «إسلامبول»، ويلقّب السلطان محمد بـ «الفاتح».. وكل تشابه بين وقائع التاريخ هو من محض خيال الكاتب!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الثورة خائفة من الثورة!

30 ديسمبر 2018

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

رياح صفراء!

16 ديسمبر 2018