الثلاثاء 21 شوال / 25 يونيو 2019
03:05 ص بتوقيت الدوحة

الاقتصاد الغبي (2-2)

الاقتصاد الغبي (2-2)
الاقتصاد الغبي (2-2)
كانت الثورة الصناعية مدفوعة بالنشاط العقلي، بوسعنا إذن أن نفكر فيها بطريقة أخرى باعتبارها «ثورة كادحة»، وهو المصطلح الذي قدمه جان دي فريز من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وجويل موكير من جامعة نورث ويسترن وجامعة تل أبيب، ومؤرخون آخرون، وفي الثورة الكادحة، تتنافس مجموعات مترابطة من المبدعين على إيجاد حلول جديدة للمشاكل القائمة، مما يؤدي إلى نشوء حلقات حميدة.
من خلال إعطاء قيمة عالية للجهود العقلية، وجعل الروتين البدني ممارسة عتيقة، أعطى التحول خلال القرون الثلاثة الماضية الناس مزيداً من الفرص للتفكير، ومع صعود الذكاء الجمعي للبشرية إلى مرتفعات جديدة، نشأ حلم الكمال البشري، لكن ذلك كان وهماً كما بتنا نعلم الآن، بل وقد يتبين لنا أن مستوى التحصيل الفكري الناجم عن الثورة الصناعية كان راكداً.
تعمل الثورة التكنولوجية الجارية الآن على توليد نوع مختلف من الاستبدال، فالعديد من المهام التي كانت ذات يوم تتطلب الذكاء البشري -إقامة الروابط واستنباط الاستدلالات، والتعرف على الأنماط، وتتبع الدلالات الضمنية للأحداث المعقدة- تُدار الآن على نحو أفضل بواسطة تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وسواء كانت المهمة متمثلة في مسح آلاف الصفحات من العقود القانونية بحثاً عن تناقضات، أو إجراء التقييمات الإشعاعية، بات بوسع الخوارزميات الآن القيام بها بقدر أكبر من الموثوقية وبتكلفة أقل، وقريباً سوف ينطبق هذا أيضاً على قيادة المركبات.
في الوقت نفسه، أظهر الاقتصاد السلوكي الحديث أن الفكر الإنساني قادر على تقديم عناصر غير عقلانية إلى عمليات مباشرة، والبحث جارٍ لاكتشاف -والتحكم في- خصائص العقل البشري التي قد تُفضي إلى نتائج مشوِّهة أو هدّامة أو غير فعّالة، ومن الواضح أن المرحلة التالية في الكمال البشري سوف تتطلب منا التخلي عن التفكير المستقل والاجتهاد تماماً. تخلّف تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأتمتة تأثيرات واضحة على العمالة، ولكنها ستؤثر أيضاً على العقل البشري، وسوف تتطلب وظائف المستقبل، وأغلبها في قطاع الخدمات، مجموعة مختلفة من المهارات، وخاصة المهارات الشخصية التي لا تستطيع التطبيقات الروبوتية -حتى سيري أو أليكسا- توفيرها، وسوف تكون القدرة على أداء عمليات حسابية معقدة أو تحليلات متطورة أقل أهمية إلى حد كبير.
المشكلة هي أن العديد من الأنشطة القديمة -سواء كانت قيادة المركبات في ظروف صعبة على طريق جبلية أو التعامل مع قضية قانونية معقدة- تشكل مصدراً للإشباع لأعداد لا حصر لها من الناس، لأنها توفر الفرص لمواجهة تحديات صعبة ذات دوافع جوهرية، وقريباً ربما تضيع هذه الأنشطة إلى الأبد، مثل ما حدث مع حرث الحقول في القرون الوسطى.
الأمر الأسوأ هو أن أدلة وافرة تُظهِر أن الناس ربما يكون لديهم من الأسباب ما يحملهم على الندم على التقاعد من وظائف مجهدة عقلياً والشروع في حياة الترفيه، فقد تبين أن عدم الاضطرار إلى التفكير على أساس منتظم ليس أمراً مريحاً أو ممتعاً، بل إنه على العكس من ذلك يؤدي إلى ضعف الصحة العقلية والبدنية، وتدهور نوعية الحياة.
إن إزالة عدد لا يحصى من المهام الإدراكية عملية لا تخلو من تأثيرات منذرة بالخطر في المستقبل، فكما تسببت الثورة الصناعية في جعل أغلب البشر أضعف بدنياً، سوف تجعلنا ثورة التكنولوجيا الصناعية جميعاً أكثر بلادة وفتوراً، وبالإضافة إلى الخصر المترهل، سوف تترهل عقولنا، إنه ليس الاقتصاد يا غبي، بل هو الاقتصاد الغبي، والآن، تبذل البنوك المركزية جهوداً حثيثة لاستكشاف طرق جديدة لتبسيط تصريحاتها لجمهور بسيط وغير متمرس على نحو متزايد.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا