الإثنين 11 رجب / 18 مارس 2019
10:21 م بتوقيت الدوحة

الاقتصاد الغبي (1-2)

162

هارولد جيمس

الإثنين، 26 فبراير 2018
الاقتصاد الغبي (1-2)
الاقتصاد الغبي (1-2)
كانت أغلب المناقشات التي تناولت مسيرة الروبوتات والذكاء الاصطناعي، تدور -على نحو مفهوم- حول المخاوف من خسائر ضخمة في الوظائف، لكن دلالات هذه التكنولوجيات أشد ترويعاً في حقيقة الأمر، لقد دُفِعنا دَفعاً إلى حافة تحول تطوري ينذر بالخطر، ليس فقط فيما يتصل بالقدرات البشرية، بل وأيضاً الذات الفردية.
لن يزودنا التاريخ بأكثر من دليل جزئي إلى المستقبل الذي ينتظرنا، فما نعرفه من الثورة الصناعية الأولى، هو أن التكنولوجيات الجديدة من الممكن أن تعمل على تغيير حياة البشر والأنواع الأخرى بشكل جوهري، وكان المفتاح إلى فهم هذه العملية -وفقاً للمؤرخ العظيم في ذلك العصر توني ريجلي من جامعة كمبريدج- هو الاستعاضة عن الطاقة الميكانيكية التي تعتمد على البشر والحيوانات بأشكال أخرى أكثر إنتاجية، مثل الفحم وغيره من أنواع الوقود الأحفوري.
من المؤكد أن خفض قيمة القوة العضلية البشرية والحيوانية لم يحدث على الفور، ففي البداية، ظل عدد كبير من المهام المساعدة -بما في ذلك التعدين لاستخراج الفحم، أو صنع منتجات وسيطة في ورش العمل- في احتياج إلى مجهود بدني هائل، ولكن بعد مرور نحو قرنين من الزمن، أصبح الطلب على القوة البدنية نادراً.
وتدريجياً، تغيرت الطبيعة الأساسية للعمل، وبحلول أواخر القرن العشرين، جلس المزارعون على الجرارات، وحتى استخراج الفحم أصبح معتمداً على الماكينات إلى حدٍ كبير، وبات عدد الناس في الاقتصادات المتقدمة الذين ظلوا يكسبون دخولهم من عرق جبينهم قليلاً.
كما تغير المظهر الخارجي للبشر، وخاصة عندما تحققت الإمكانات الكاملة للثورة الصناعية، فقد أنتجت أنماط الحياة التي تتطلب الجلوس تغيرات واضحة في هيئة البشر، فاتسع محيط الجسم عند الخصر، بعد أن أصبحت الوجبات الغذائية النافعة صحياً سابقاً، والتي كانت لازمة لتغذية المجهود البدني الهائل، غير صحية على نحو متزايد.
وراقب بعض الناس حدوث هذه التغيرات بقلق، وبدأت أقلية متزايدة الحجم تمارس أنشطة بدنية مكثفة، ليس في الحقول أو المصانع، بل في سياق أوقات الفراغ، ولم يعد عرق الجبين مرتبطاً بالعمل المنتِج، بل بالاستهلاك -الاستهلاك الواضح عادة- وأصبحت صالات الرياضة مصادر جديدة للمشاركة المجتمعية، وعندما بدأ زملاء العمل يزاولون التدريبات معاً، رأى أرباب العمل المستنيرون في مثل هذا الترفيه مصدراً قيماً للرفاهية البدنية والعقلية.
الواقع أن الغباء الجمعي سوف يكون مدفوعاً بالتكنولوجيا، ولكن كما كان الحال مع اللياقة البدنية التي استقرت خلال الثورة الصناعية، فمن المرجح أن تنشأ صناعة جديدة من التدريب على الذكاء لمواجهة التدهور العقلي، وسوف يصبح الاستماع إلى شخص يحاول بناء حجة مفصلة منطقياً مصدراً حصرياً للمتعة الجمالية والتميز، وسوف تصبح الأعمال «الصعبة» في مجالات الأدب أو الفنون البصرية شكلاً متزايد الجاذبية من الاستهلاك الواضح.
مع ذلك، يبدو كل هذا بغيضاً إلى حد عميق، وإنه لأمر كريه بما فيه الكفاية أن ينصت المرء إلى أشخاص يتباهون بلياقتهم البدنية، لكن التفاخر بالتفوق العقلي سيكون أشد وطأة، واضطرار المرء إلى إثبات كونه أثراً باقياً من التفوق البشري القديم لن يهدد الصالح العام فحسب، بل وأيضاً إنسانيتنا المشتركة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا