الخميس 23 شوال / 27 يونيو 2019
01:00 م بتوقيت الدوحة

حصار قطر.. ما خفي أعظم!

حصار قطر.. ما خفي أعظم!
حصار قطر.. ما خفي أعظم!
لم يكن حصار قطر إلا مجرد امتداد مخطط لانقلاب 1996 الفاشل وأزمة سحب السفراء عام 2014، ولكنها أبعد أثراً وأكثر انحداراً في أخلاقياتها وفضائحها وخيباتها! فقطر بالنسبة لدول الحصار «مشكلة صغيرة جداً جداً، ولكنها أشغلتهم كثيراً كثيراً منذ 1996». سياسياً، يُقال إن خلق الأزمات وافتعال الوقائع المفبركة إنما هو إعلان لبداية مشروع سياسي أكبر، وقد شهدنا الكثير من التحولات التاريخية التي بدأت بأزمة مفتعلة وكانت بمثابة الشرارة التي انطلقت منها الأحداث لاحقاً. وأستشهد هنا، بعيداً عن كل الحيثيات والنظريات، بغزو أفغانستان وتدمير العراق ونهب ثرواته، والذي لم يكن لولا انطلاق شرارة أحداث هجمات 11 سبتمبر.
وبالمثل، بدأت أزمة حصار قطر بفبركة مفتعلة لقرصنة متعمدة ومخطط لها ضمن حملة إعلامية مقننة لمهاجمة قطر وتشويه سمعتها بدعم الإرهاب، مرفقة بذرائع واتهامات ثبت بطلانها وتناقضها مع الوقت. وقد استمرت الأزمة شهوراً بسيناريوهات مبنية بالدرجة الأولى على الكذب والتزوير والافتراء، مدعومة بـ «مجلس» متواضع لوزراء ومستشاري «تويتر» وحشود إلكترونية، ومسلحة إعلامياً بـ «لوبيات» وشركات العلاقات العامة الأميركية والأوروبية، وأقلام المأجورين المدفوعة من أموال نفط وثروات شعوب دول الحصار.. وتحت صمت منظومة مجلس التعاون! واستمرت فضائح وخيبات دول الحصار دون هوادة وبجرأة أخلاقية غير مسبوقة! وما خفي كان أعظم!
بعد شهور من الحصار الجائر، اتضح لهذه الدول خطأها في تخطيط الأزمة المفتعلة، حيث فشلت العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية التي فُرضت على قطر لإجبارها على الاستجابة لمطالبها، كما فشل تقديرها للموقف الدولي، إذ بدأت الكوابح الدولية، بما فيها أميركا، سعيها لوقف دول الحصار، تارة بالمساعي الوسيطة، وتارة بالقانون! فالعوامل الجيوسياسية والاقتصادية لحصار قطر ساهمت في ضغط قادة بعض الدول الكبرى على دول الحصار، خاصة بعد تضرر اقتصادياتها، باعتبار منطقة الخليج العربي مصدّرة للطاقة. كما أن استقرار المنطقة يُعدّ ضامناً رئيسياً لسلامة الممرات البحرية اللازمة لنقل الطاقة من المنطقة. حتى ترمب نفسه، فقد تغيّر موقفه السياسي من قطر بعد اتهامه بدعمها للإرهاب، الأمر الذي لم يكن ليحدث لولا صمود القيادة القطرية على موقفها الثابت، وعدم خضوعها لتهديداتهم، وعدم استجابتها لتصعيداتهم «الطفولية» المتواصلة، الأمر الذي انعكس الشهر الماضي في تعميق وتعزيز الحوار الاستراتيجي الأميركي-القطري، من خلال توقيع عدد من اتفاقيات التفاهم في عدة مجالات تتعلق بالأمن والدفاع والاستثمار ومحاربة الإرهاب. والأمر الذي تجلى أوروبياً في الكلمة التي ألقاها صاحب السمو في مؤتمر ميونيخ للأمن، والذي يُعدّ أهم مؤتمر أمني على مستوى العالم، ويُعقد بمشاركة واسعة من قادة وزعماء العالم. حيث أكد على أن الفهم السطحي لظاهرة التطرف العنيف يفاقمها حاجتنا إلى إطار نظري وعملي عميق شامل لمعالجة جذورها. رسالة واضحة جداً لقادة دول الحصار بالتوقف عن «أطروحاتهم النظرية الهشة المضللة للرأي العام، الذي لم يعد من الممكن استغباؤه بسهولة ويسر». وفي هذا الإطار، كشفت عدة دراسات وتقارير أميركية وأوروبية أخرى عن الأضرار التي لحقت دول الحصار جراء حصارهم لقطر، حيث تضررت المصالح السياسية والتحالفات الدولية والاقتصادية لدول الحصار، بل أشارت بعض التقارير صراحة إلى المساس بمكانة السعودية كقائدة للمنطقة، وفشلها وحلفائها في إخضاع دولة «صغيرة جداً» كقطر!
فهل سترضخ دول الحصار رغماً عنها وتقبل بتسوية الأزمة المفتعلة تحت ضغط «الكبار»؟ أم أن ما خفي من «مؤامرات مستقبلية» أعظم؟
بلا شك أن الأزمة أبرزت خللاً في بنية دول الحصار ومواقعها الاستراتيجية، ولكنها أيضاً أحدثت شروخاً في مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك تعطيل المخططات الطامحة لتحقيق التكامل الاقتصادي بينها، وتحديداً في ربط شبكات الكهرباء والطرق، وأيضاً في النطاق الإقليمي. وترجّح المعطيات الراهنة للأزمة على مدى الشهور الماضية أن مجلس التعاون الخليجي لن يعود إلى سالف عهده، وأنه لا يستحق «التباكي عليه»؛ ذلك أن الأزمة أحدثت تحولات في موازين القوى؛ فقد تخلت دول الحصار عن الالتزامات والضمانات التي وقّعت عليها وقطعتها على نفسها، مثل تلك الضمانات الخاصة بحرية التنقل والملكية، والتعاملات المالية، وحتى فض النزاع نفسه من خلال المجلس! فللكويت وعُمان مثلاً الحق في التساؤل عن ضمان عدم إقدام دول الحصار على «حروب» مستقبلية مماثلة رغم تعهداتها القانونية وفق إطار المجلس! من ناحية أخرى، فإن إقامة القاعدة التركية في قطر، وتطوّر التعاون التركي-الكويتي، والتعاون الإيراني-العماني، قد يؤثر على المسائل الأمنية الحيوية الخاصة بالمجلس، والذي أُنشئ بالأصل لدرء المخاطر الناشئة من نجاح الثوة الإيرانية. فما تبقّى بعد حصار قطر؟
اتبعت قطر، منذ بدء الحصار، سياسة دبلوماسية متزنة وثابتة، وتمسكت بحقها في الحوار والإبقاء على منظومة مجلس التعاون، وركزت على مساري تسوية الأزمة عن طريق الحوار الذي لم تستجب له دول الحصار حتى هذه اللحظة ومواصلة تعميق علاقاتها الخارجية. وبالمقابل، انتهجت دول الحصار دبلوماسية تضخيم قوتها الإقليمية والدولية، وتشنّج إعلامها وتركيزه على هوامش الأمور بأسلوب الجاهلية البالية في محاربة شعب قطر، فأشغلوا أنفسهم في توافه الأمور الفنية والرياضية والإعلامية بعيداً عن هموم شعوبهم الحقيقية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بينما انشغلت قطر في الإنجاز، وجعلت من حصارهم منحة داخلية وخارجية لشعبها، بينما ارتد عليهم الحصار سلباً في جميع المجالات! فإلى متى هذا الاستغباء السياسي؟!
وها هي قناة الجزيرة، التي تطالب دول الحصار بإخراسها، تعلن بثها لحلقة خاصة من برنامج «ما خفي أعظم»، للكشف عن تفاصيل أولى مؤامرات دول الحصار في «غزو واحتلال قطر» عام 1996، والتي انتهت بالفشل الذريع أمام صمود قطر حكومة وشعباً. حيث قدّمت قطر درساً أخلاقياً في عدم إعلانها عن «غزو الجيران»؛ احتراماً للمنطومة الخليجية «الهشة»، وتقديراً لصلة الأرحام، والذي انعكس في عفوها عام 2010 عن بعض المحكوم عليهم من المدانين من دول الحصار. وهذه أخلاق قطر.
بلا شك، ستنتهي الأزمة يوماً ما، بقوة القانون أم بقوة «الكبار»! ولكنها ستنتهي بعلاقات مشروخة سببها حفنة من المتهورين، وأدت إلى اختلال توازن القوى؛ فالكبير لن يكون كبيراً، والصغير لم يعد صغيراً. وسواء انتهى حصار قطر عاجلاً أم أجلاً، فقطر تجاوزت صدمة الحصار، وشعبها بألف خير، وماضون في نهضتهم وتطوير بلدهم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.