الأربعاء 14 ذو القعدة / 17 يوليه 2019
07:23 م بتوقيت الدوحة

«وينك يا دولة؟»

«وينك يا دولة؟»
«وينك يا دولة؟»
كان التونسيون حتى وقت قريب، يعتقدون أن تبوأهم المرتبة الثانية عالمياً في إنتاج الفوسفات نعمة من المولى، وثروة طبيعية أحسنوا إدارتها وتسويقها في العالم حتى سنة 2010 لتمثل 10 % من عائدات مجموع الصادرات التونسية، وثاني مصدر للعملة الصعبة، إلا أنهم أصبحوا يشكون الآن في أن تلك الثروة المهدورة منذ سبع سنوات، قد تصبح نقمة، ليس فقط على اقتصاد البلاد المتهالك أصلاً، وإنما على السلم الاجتماعي أيضاً.
منذ 20 يناير الماضي تعيش أكبر شركة في تونس «فوسفات قفصة» حالة شلل تام، حيث أحيل 30 ألف عامل وموظف إلى البطالة القسرية، لأن بضعة مئات من الأنفار الغاضبين نصبوا الخيام، قاطعين بها طرقات نقل الفوسفات عبر مدن الجنوب التونسي، وقرروا منع العمل في مختلف نقاط الإنتاج، لتصل الخسائر حسب التقديرات الأولية إلى زهاء الـ 5 مليارات دينار (حوالي مليارين من الدولارات)، في وقت انحدر مخزون العملة الصعبة في البلاد إلى مستويات تاريخية مفزعة.
يحدث ذلك والدولة التونسية عاجزة عن فرض رغبتها في عودة العمل، وهي المحتاجة لأي مليم أبيض في هذه الأيام السوداء، لكن آلاف موظفي شركة فوسفات قفصة استشعروا الخطر الداهم، وانتظموا في حملة «منع الفوسفات» (أنقذ الفوسفات)، وخرجوا يوم الجمعة الماضي يصيحون في الشوارع «وينك يا دولة؟»!
المسؤول الأول عن الشركة ذاتها لم يترك منبراً إعلامياً إلا وطرقه، منبهاً من أنها ذاهبة إلى الإفلاس الحتمي، بعد أن تراجع تصنيفها إلى المرتبة الثامنة عالمياً.. وبعد أن أصبحت تفقد كل يوم زبائنها التقليديين في العالم، وبعد تراجع معدل إنتاجها خلال السنوات الأخيرة من 8 ملايين طن إلى أقل من النصف، رغم أنها أصبحت تشغل 30 ألف عامل وموظف مقابل 7 آلاف فقط في سنة 2010.. وتلك ليست المفارقة الغريبة الوحيدة في اقتصاديات تونس الجديدة!
ورغم تلويح الحكومة في أكثر من مناسبة بتحويل مواقع إنتاج الفوسفات إلى مناطق عسكرية تخضع لقوانين الجيش الصارمة، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث على الأرض، ما دفع القوى الأهلية للتحرك دفاعاً عن مصدر رزقها، وهنا مكمن الخطر الداهم.
فبعد قليل من الآن، قد يجد الخائفون على مصدر قوتهم وجهاً لوجه مع المحتجين القاطعين للطرق ولسكك حديد نقل الفوسفات، وقد يتطور الأمر إلى مواجهات أهلية عنيفة، يتداخل فيها الحق بالباطل، مع نزعات عشائرية (قبلية) دفينة، وقد تخرج الأمور عن نطاق السيطرة الأمنية، مثلما حدث في سنة 2011.. وعندها سوف يتيقن التونسيون من أن نعمتهم قد تحولت إلى نقمة.
لا يعرف أحد الآن إلى أي مدى ستتواصل «رحابة صدر الحكومة».. ولا إلى أي نقطة سيرتفع حنق الخائفين على أرزاقهم بعد تصريح المسؤولين عن الشركة بأنهم باتوا قريبين من العجز عن توفير رواتب العاملين فيها.. ولا يعرف أحد مدى إصرار المحتجين على قطع طرقات الفوسفات، لكن الجميع يعلم يقيناً أن انفجاراً بدأ يرعد في الأفق.. وأوله الاستغاثة- التهديد ليوم الجمعة: «وينك يا دولة؟».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الثورة خائفة من الثورة!

30 ديسمبر 2018

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

رياح صفراء!

16 ديسمبر 2018