الأحد 14 رمضان / 19 مايو 2019
05:40 م بتوقيت الدوحة

المعلومات في عصر التضليل (2-2)

المعلومات في عصر التضليل (2-2)
المعلومات في عصر التضليل (2-2)
ويتمثل العنصر الثالث في المشهد المعلوماتي اليوم في التفتت «انفصال القصص الإخبارية الفردية عن مصدرها»، في السابق كان بوسع القراء أن يميزوا بسهولة بين المصادر غير الجديرة بالثقة، مثل الصحف الصفراء المثيرة، والمصادر الجديرة بالثقة مثل الصحف المحلية والوطنية الراسخة، والآن -على النقيض من ذلك- قد لا تبدو مقالة شارك بها صديق أو أحد أفراد الأسرة مختلفة كثيراً عن مقالة منشورة في مدونة تروّج لنظرية المؤامرة، وكما اكتشفت دراسة حديثة أجراها معهد الصحافة الأميركي، فإن المصدر الأصلي لأية مقالة لا يهم القراء، بقدر ما يهمهم من في شبكتهم قام بمشاركتها.
أما العنصر الرابع، الذي يجب أن يسترشد به في مكافحة التضليل المعلوماتي، فهو عدم الكشف عن هوية منشئ المعلومات وموزعها، إذ لا تفتقر الأخبار على الإنترنت غالباً إلى المصدر فحسب، بل وأيضاً إلى التاريخ واسم الكاتب، وهذا من شأنه أن يحجب تضارب المصالح المحتمل. 
وقد وجدت دراسة أجريت عام 2015، أن البرمجيات الروبوتية تعمل على توليد نحو 50 % من كل حركة المرور على شبكة الإنترنت، حيث يُظهِر 50 مليون مستخدم لـ «تويتر» ونحو 137 مليون مستخدم لموقع «فيس بوك» سلوكيات غير بشرية، بطبيعة الحال هناك برمجيات روبوتية «جيدة»، والتي تقدم خدمات العملاء، أو تحديثات الوقت لحظة بلحظة، ولكن هناك أيضاً وفرة من القوى الشريرة التي «تتلاعب» بأنظمة المعلومات على الإنترنت، للترويج لآراء متطرفة ومعلومات غير دقيقة، مما يُضفي عليها مظهر شعبية التيار الرئيسي ويمنحها القبول.
خامساً، تتسم بيئة المعلومات اليوم بالطابع الشخصي، فخلافاً لنظرائهم في الصحافة المطبوعة، أو الإذاعة، أو حتى التلفزيون، يستطيع منشئو المحتوى على الإنترنت اختبار البدائل، وتكييف رسائل لحظية موجّهة بشكل دقيق.  كانت حملة دونالد ترمب الانتخابية تقيس الاستجابات لنحو 40 ألف إلى 50 ألف تنويعة من الإعلانات يومياً، ثم تقوم بتفصيلها وتوجيه رسائلها وفقاً لذلك.
العنصر الأخير، الذي يفصل النظام الإيكولوجي للمعلومات اليوم عن نظيره في الماضي، كما لاحظ أستاذ القانون نيت بيرسلي من جامعة ستانفورد، هو السيادة، فعلى عكس التلفزيون، والصحافة المطبوعة، والإذاعة، تتولى منصات التواصل الاجتماعي مثل «فيس بوك» أو «تويتر» تنظيم نفسها بنفسها -وهي ليست بارعة في هذا.
ويعمل هذا الافتقار إلى البيانات على تقويض الاستجابات لانتشار التضليل المعلوماتي والدعاية الكاذبة، ناهيك عن الاستقطاب السياسي والقَبَلية التي تتغذى عليها، وموقع «فيس بوك» هو الجاني الرئيسي هنا: ففي ظل 1.32 مليار مستخدم نشط يومياً في المتوسط، يُصبِح تأثيره هائلاً، ومع ذلك ترفض الشركة منح الباحثين من خارجها الفرصة للوصول إلى المعلومات اللازمة لفهم الأسئلة الأكثر جوهرية عند تقاطع الإنترنت مع السياسة، «تتقاسم شركة «تويتر» البيانات مع الباحثين، ولكنها تظل مجرد استثناء».
نحن نعيش في عالم جديد شديد البأس من التضليل، وما دام رعاته فقط هم من يملكون البيانات التي نحتاج إليها لفهمه، فسوف تظل أية استجابة ننظمها غير كافية، وبقدر رداءة تحديد هذه الاستجابات لأهدافها، فإنها ربما تنتهي حتى إلى إحداث أضرار أعظم من أي نفع قد يتحقق من خلالها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا