الخميس 23 شوال / 27 يونيو 2019
01:07 ص بتوقيت الدوحة

سكون

العنف الديني

‏بيّنة المري

الثلاثاء، 06 فبراير 2018
بينة المري
بينة المري
‏من الجدليات العابرة للتاريخ أن العنف والحرب مرتبطان بالدين، وفي حقبة ما، اعتقد جون لوك أن الفصل بين الكنيسة والدولة هو مفتاح السلام! لكن الواقع خلاف ذلك، فالحروب باسم الدين -ككرة الثلج- تكبر يوماً بعد يوم.

‏الجدير بالذكر أن هناك علماً جديداً اسمه «جيوبوليتيك» يعتمد على نظرية راتزل «1844-1904» التي تقول: «إن الدولة كائن عضوي يكبر وتزداد احتياجاته باستمرار، وإن الحدود أشبه بجلد الكائن العضوي، والذي يجب أن يتمدد باستمرار مع نموه».

لا نستطيع أن نفهم ماهية هذه الحروب بعيداً عن هذه النظرية، ومن المستحيل أن تقوم بمعزل عن الدوافع السياسية والاقتصادية، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، في القرن السادس عشر حدثت سلسلة حرب الثلاثين عاماً بين الكاثوليك والبروتستانت، وجعلت أوروبا شذر مذر، ورفع لويس الرابع عشر شعار:

 «ملك واحد، وإيمان واحد، وقانون واحد»، وتم تبريرها على أنها حرب مقدسة، بينما هي من أجل السلطة، التي كانت مخاض ولادة الدولة الحديثة، أيضاً الحرب على الإرهاب في العراق، والتي تبناها جورج بوش، ورأى في خطابه أن العالم انقسم إلى معسكرين: معسكر الشر، ومعسكر الخير، ولا أرض للحياد، «ومن ليس معنا فهو ضدنا»، وتم تدمير العراق حتى أصبح قاعاً صفصفاً، وشجع الإمبرياليون هذه الحرب، لأن التحكم بالعراق سيساهم في تغيير سياسة الشرق الأوسط، وسيدعم إسرائيل، وسيكون للولايات المتحدة قواعد عسكرية في المنطقة، واحتياطي من النفط، بالإضافة إلى الحملات الصليبية التي غُلفت بهالة من القدسية، لكن دافعها العميق سياسي، وتم تجييش الجموع المسيحية على العالم الإسلامي بهدف توسيع سلطة الكنيسة، وخلق ملكية باباوية في الشرق، ومؤخراً خرج لنا كهنة الكنيسة في روسيا، وباركوا الحرب التي يقودها بوتن في سوريا، ووصفوها بالحرب المقدسة، وهي في حقيقتها ليست سوى إحياء للأمجاد السوفييتية، وتوسيع النفوذ الروسي في المنطقة.

ونختم بداعش التي دعت -بحسب اعتقادها- إلى الفريضة الغائبة، وهي الجهاد، وخاضت حرباً دينية أهلكت فيها الحرث والنسل، رافعة شعار: «الله أكبر»، كما رفع الخوارج المصحف على أسنة الرماح في عهد علي وقالوا: «إن الحكم إلا لله»، ورد عليهم علي قائلاً: «كلمة حق يُراد بها باطل».

‏قال الملك عبدالعزيز: «الدين طَيْرٌ حُرّ من صاده قنص به»، الدين بحد ذاته ليس سبباً للعنف، لكنه يملك قدرة هائلة ليكون دافعاً للجنون المطلق، والغضب المقدس، بل إن الأمر لا يقتصر فقط على الدين، وتجاوز إلى الوطنية والقومية باعتبارهما «ديناً مدنياً»، فتتم التضحية بالشعوب وتجييشها لخوض حرب ضروس، وهذا شكل من العبودية الطوعية لطاغية لا يملك من القوة إلا ما يُعطى!

‏فالحروب الدينية لا تدور حول الدين ذاته، ولكنها تتخذ شكلاً دينياً، وهي لا تختلف عن نظرية صموئيل هانتنجتون: «صدام الحضارات»، فالتدافع بين البشر مطرد، والحروب شكل من أشكال التدافع، وعصبه الدوافع الجيوسياسية والاقتصادية التي ليست بمعزل عن الدولة بسياقاتها المختلفة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا