الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
08:49 م بتوقيت الدوحة

«الأمننة» .. الإخوان والأنظمة العربية وإسرائيل

«الأمننة» .. الإخوان والأنظمة العربية وإسرائيل
«الأمننة» .. الإخوان والأنظمة العربية وإسرائيل
المقصود بالأنظمة هي أغلب وحدات النظام العربي الحاكم، وأما الإخوان فهم تيار رئيسي من تيارات الإسلام السياسي.
مفهوم الأمننة من المفاهيم الجديدة في حقل الدراسات الأمنية، ابتكره «أولي وايفر» في عام 1995، من خلال مقاله «الأمننة ونزع الأمننة»، وفي مرحلة لاحقة شاركه زميله «باري بوزان» في صياغة المفهوم الجديد، والذي أصبح من مميزات مدرسة فكرية أمنية، اصطلح عليها اسم مدرسة كوبنهاجن.
مفهوم الأمننة يعتبر الأمن مسألة ذاتية وليست موضوعية، بمعنى أن تحديد القضايا الأمنية «ما هو أمني» لا يعود إلى محددات موضوعية، بل إلى محددات ذاتية من خلال «ذوات النخب» التي تمتلك القدرة على تحديد المخاطر الأمنية وتسميتها، والترويج لها وإقناع المجتمع بها.
إذن الخطاب الأمني للسلطة، سواء كانت سلطة الدولة في السياسة الداخلية، أو السلطة المهيمنة على النظام الإقليمي أو الدولي في السياسة الخارجية، هي من تملك القدرة على تفعيل مفهوم الأمننة.
في دراسة «باري بوزان» المعنونة: «الأمننة الكلية»، يوضح كيف أن مفهوم الأمننة يمارس على مستويات أوسع من الدولة، معتمداً على بناءات عالمية ووحدات مرجعية، فالحرب الباردة هي نوع من الأمننة، حيث وضع الغرب الاتحاد السوفييتي والفكر الاشتراكي كخطر أمني محدق، يجب حشد الطاقات لمواجهته.
وحتى بعد انتهاء الحرب الباردة، خرج بعض المفكرين الأميركيين بالحديث عن صراع الحضارات، حيث وضعت الحضارة الإسلامية على أعلى سلم التهديدات عند «هانتجتون».
وهنا، تم تشغيل نظرية الأمننة من جديد، وكان من الصعب أمننة كل العالم الإسلامي، ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية على نيويورك، وتحت ذريعة الإرهاب تمت أمننة مسائل محددة بدقة عالية، كالقاعدة وطالبان والجهاد، ودولة أفغانستان والعراق.
عودة إلى حديث الأمننة عند بعض الأنظمة السياسية العربية، ففي الخمسينيات فعّلت بعض الدول العربية نظام الأمننة فيها، ضد التيارات القومية، وصورتها بأبشع الصور، من الإلحاد إلى العنف والعمالة للخارج العربي، لتتحول من مسألة خلاف سياسي إلى موضوع أمني يهدد سلامة المجتمع، ويجب التعامل معه.
وكذلك لم يسلم تيار الإخوان المسلمين من ماكينة الأمننة في أغلب الدول العربية، خصوصاً بعد ثورات الربيع العربي 2010 وما بعده.
الإخوان تيار سياسي لا يختلف عن التيارات السياسية الأخرى إلا أنه الأكثر تنظيماً، ولذلك تصدروا القوائم الفائزة بالانتخابات التي تلت ثورات الربيع العربي، وكانت هي الفئة المنافسة لبقايا الأنظمة العربية، ومن ثم بدأت السلطات المحلية والإقليمية بتفعيل مفهوم الأمننة ضد الإخوان، وتحويلهم من حزب سياسي إلى منظمة إرهابية يجب قمعها، فكل الشرور تأتي من الإخوان، وأبشع التهم العربية هي الانتماء لهم، أو التعاطف معهم، حتى الدول لم تسلم من أمننة الإخوان، فدولة قطر تعاني من حرب سياسية ضدها، ومقاطعة تحت ذريعة دعم الإخوان.
ونفس تلك الأنظمة العربية التي أمننت الإخوان، تحاول أيضاً تفعيل الجزء الثاني من نظرية «وايفر»، وهو مفهوم «نزع الأمننة»، وهو نقل مسألة معينة تم وضعها ضمن مسائل الأمن إلى خارج الاهتمام الأمني، بسبب تلاشي خطورتها وفق رؤية النخبة الحاكمة العربية، وليس بالضرورة هي كذلك، مثال: خطر الكيان الصهيوني، بعد أن كان القضية الأمنية العربية المركزية، تم «نزع الأمننة» عنه ليتحول الصهاينة إلى أي شيء آخر غير أمني، سواء كانوا «كياناً صديقاً أو محايداً!
ختاماً، في اعتقادي أن أقدم نص كلاسيكي في نظرية الأمننة، هو ما قاله فرعون لأتباعه: «مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ»، سورة غافر آية رقم 29.
لقد فعّل فرعون مفهوم الأمننة ضد دعوة الرسول الكريم موسى -عليه الصلاة والسلام- رغم أنها لا تحتمل ذلك، فرجل واحد وأخوه لا يمكن أن يمثلا تهديداً لفرعون وملكه، فقد كانا يدعوانهم إلى الإيمان فقط، ولكن فرعون أراد تحويل موسى إلى قضية أمنية وجودية، فكان له ذلك، رغم مأساوية نهاية فرعون.
العبرة في مفهوم الأمننة هي ضرورة أن تفكر الشعوب جيداً بما تصوره لها بعض النخب الحاكمة من أخطار هي في الواقع ليست كذلك، بل من وحي مصلحة السلطة سواء في المجتمع المحلي أو الإقليمي أو العالمي.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.