الإثنين 19 ذو القعدة / 22 يوليه 2019
03:12 م بتوقيت الدوحة

عولمة السُّخط 2/2

عولمة السُّخط 2/2
عولمة السُّخط 2/2
هناك ثلاث استجابات للسخط العالمي على العولمة:
يتلخص الأول، ولنطلق عليه مسمى استراتيجية لاس فيجاس، في مضاعفة الرهان على العولمة، كما كانت تُدار على مدار ربع القرن الماضي. ويستند هذا الرهان، مثله في ذلك كمثل كل الرهانات إلى سياسات ثبت إخفاقها، إلى الأمل في نجاح نفس السياسات بطريقة أو أخرى في المستقبل.
وتتمثل استجابة ثانية في «الترمبية»: أن تقطع نفسك عن العولمة، على أمل أن يؤدي ذلك على نحو ما إلى إعادة عالَم ولى ومضى. غير أن تدابير الحماية لن تُفلِح، فوظائف التصنيع آخذة في الانحدار في مختلف أنحاء العالم، وذلك ببساطة لأن نمو الإنتاجية تجاوز وتيرة نمو الطلب.
وحتى لو عاد التصنيع، فلن تعود الوظائف. ذلك أن تكنولوجيا التصنيع المتقدمة، بما في ذلك الروبوتات، تعني أن الوظائف القليلة التي ستنشأ في المستقبل تتطلب مهارات عالية.
 ويبدو أن هذا النهج محكوم عليه بالفشل، وهذا من شأنه أن يزيد من حدة السخط الذي يشعر به من تُرِكوا وراء الركب.
وسوف يفشل ترمب حتى في تحقيق هدفه المعلن المتمثل في خفض العجز التجاري، والذي يحدده التفاوت بين المدخرات المحلية والاستثماراتوسوف تهبط المدخرات الوطنية ويرتفع العجز التجاري، نظراً للزيادة في قيمة الدولار. (يتحرك العجز المالي والعجز التجاري معاً بشكل وثيق عادة، حتى إن الخبراء يطلقون عليهما وصف «العجز التوأم»). وقد لا يروق هذا لترمب، ولكن كما يتبين له ببطء الآن، هناك بعض الأمور التي لا يستطيع حتى الشخص الذي يشغل أقوى منصب في العالم أن يسيطر عليها.
أما الاستجابة الثالثة فهي الحماية الاجتماعية من دون اللجوء إلى تدابير الحماية التجارية، وهو النهج الذي تبنته دول الشمال الصغيرة في أوروبا. فقد أدركت أنها باعتبارها دولاً صغيرة لا بد أن تظل منفتحة. ولكنها أدركت أيضاً أن بقاءها منفتحة من شأنه أن يعرض العمال للخطر. وعلى هذا فقد لجأت إلى إنشاء العقد الاجتماعي الذي ساعد العمال في الانتقال من الوظائف القديمة إلى وظائف جديدة، ومدّ لهم بعض العون في الفترة الانتقالية.
الواقع أن دول الشمال الأوروبي مجتمعات ديمقراطية عميقة، وقد أدركت لهذا السبب أن العولمة لن تستمر ما لم ير معظم العمال أنها تعود بالفائدة عليهم. كما أدرك الأثرياء في هذه الدول أن الفوائد ستكون كافية لكي تعم الجميع إذا ما عملت العولمة كما ينبغي لها.
كانت الرأسمالية الأميركية في السنوات الأخيرة تتسم بجشع جامح، وتؤكد الأزمة المالية التي اندلعت في عام 2008 هذه الحقيقة بوضوح. ولكن كما أظهرت بعض الدول، فإن اقتصاد السوق ربما يتخذ أشكالاً تساعد في تخفيف تجاوزات الرأسمالية والعولمة، وتوفر في الوقت نفسه نمواً مستداماً ومستويات معيشية أعلى لأغلب المواطنين.
وبوسعنا أن نتعلم من هذه النجاحات ماذا يتعين علينا أن نفعل تماماً، كما نستطيع أن نتعلم من أخطاء الماضي ما لا ينبغي لنا أن نفعل. وكما بات واضحاً إذا لم نتمكن من إدارة العولمة على النحو الذي يجعل فوائدها تعود على الجميع، فمن المحتم أن تزداد حِدة ردود الأفعال العنيفة، من قِبَل الساخطين الجدد في الشمال، والساخطين القدامى في الجنوب.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

عولمة السخط (2-2)

12 أبريل 2018

عولمة السُّخط 1/2

27 يناير 2018

الجمود المتعصب 2-2

05 سبتمبر 2017

الجمود المتعصب

01 سبتمبر 2017