الأربعاء 18 شعبان / 24 أبريل 2019
01:40 ص بتوقيت الدوحة

عودة قلم

يا ناس اكذبوا.. وخادعوا !!

أحمد المصلح

الأربعاء، 24 يناير 2018
يا ناس اكذبوا.. وخادعوا !!
يا ناس اكذبوا.. وخادعوا !!
في زمانٍ مضى وتولى كان العربُ -الشرفاءُ منهم، والنبلاء بالأخص، وأصحاب الزعامة والوجاهة- يأنفون من الكذب ويستقبحونهُ أشدّ القبح، ويعدّونهُ من خوارم المروءات التي يُعيّرُ بها المرء إنْ أُثرَ عنه أنه أحدثَ كذبة!! فلا يزال يُلاحقهُ عارُها، ولا يبرحُ ليبقى أبد الدهر تحت وطأة انتقاص الناس إيّاهُ لأجل كذبة كذبها.
جاء في كتاب «بَدء الوحي» من الجامع الصحيح، فيما عُرف بحديث «سؤالات هرقل لأبي سفيان» عندما كان في رحلة تجارة إلى الشام، فأُحضر بين يديه -مع رفقة له- ليَسألهُ عن أوصاف (النبي الذي خرج في العرب).. فكان مما قاله:
فوَاللهِ لولا الحياءُ من أن يأثِروا عليّ كذباً لكذبتُ عنه..
قال العَيني في شرحه (عمدة القاري):
ومعناه: لولا الحياء من أنّ رفقتي يروون عني كذباً فأُعاب -لأن الكذب قبيح وإن كان على العدوّ- لكذبت.. ويُعلم منه قبح الكذب في الجاهلية أيضاً!! ولم تُنقل إباحة الكذب في مِلّة من الملل..ا.هـ..
كان ذلك الخُلق سائداً في زمانٍ غير زماننا، لكنّ المكان هو المكان، والناس من سلالة أولئك الناس!! إن تلك الأنفة المتأصّلة في النفوس الأبيّة، وذلك الشعور الحي في النُفرة من خصلة الكذب، كانت والناس (يعيشون جاهلية أبي جهل بن هشام، وأميّة بن خلف)..ولعلها -صفة الصدق- كانت من أبرز وأهم عوامل اختيار المولى -جلّ وعزّ- أمّة العرب، ليكونوا أوعية لحفظ الكتاب العزيز، ولحمله وإيصاله للعالمين، فالذي لا يكذب على البشر حقيقٌ وأحرى به أن لا يفتري الكذب على ربّ البشر.
أما في زماننا الأغرّ -ومع وسائل العصر- بات يُغري انتشار الأراجيف والشائعات بضغطة على زر، حتى (النطيحة والمُترديّة) أن يكونوا أساتذة في المجال!! ولا حول ولا قوّة إلا بالله الكبير المُتعال.
فإنْ كان «الزمان العربيّ» إلى عهدٍ ليس ببعيد عايشنا -ولا نزال- ما كان يشدو به (الراحل طلال مدّاح) في رائعته:
«زمان الصمت!! يا عُمْر الحِزنِ والشكوى.. يا خطوه ما غَدَتْ تِقوى.. على الخطوه على همّ السنين»..
وقد قيل: الخَرَس خيرٌ من البيان بما لا يجب..
فإننا اليوم -وقد تكلم التافهون في أمور العامّة- لفي حالٍ أعجب وأزرى وأدهى وأمرّ!!
فليرحم الله زمانكَ يا طلال!
ففي الصمت سَترٌ للعيي وإنما
صحيفة لُبّ المرء أن يتكلّما
إنهُ زمانٌ وقد «خَلَفَ من بعدِ أولئك الذين ذكرناهم من**الجاهليين الصادقين**خَلْفٌ..» على الرغم أنهم (ورِثوا الكتاب..) إلا أن تفنُّن (الأفّاكين) في اختراع أساليب وأغراض للكذب وخداع الجماهير أضحى وِفق (مناهج تُدرّس في عِلم الكذب)!! وبشكلٍ (لم نسمع به نحنُ ولا آباؤنا من قبل).. ذلك بالتقوّل بالباطل على الأفراد والجماعات، وعلى الدول أيضاً، كما لا يخفى على المُتابع لتداعيات (فتنة الخليج الرابعة)، والتي تبرز سمتها الأولى والكبرى في أفانين وأعاجيب من الأكاذيب بالمبالغة -مع الإصرار- في نسج عروشٍ للإفك والبهتان، من قِبلِ أناسٍ (يعلمُ الواحد منهم أنه يكذب، ويعلمُ من الذي معه أنه يعلمُ أنه يكذب)!! أفرأيتم مثل هؤلاء عباقرة الحمقى؟؟!
«فما لِهؤلاءِ القومِ لا يكادونَ يَفقهونَ حديثاً»؟
إنّهُ زماننا وإنه عالَمُنا الذي خُلقنا فيه، وليت شعري ونثري (إنْ كان قد خُلق لنا)؟؟
عالمٌ يَعجز حتى أعتى وأعظم كتّاب الخيال (العلمي والأدبي والصناعي أيضاً) لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثل ما نحن عليه -من ممارسات وسيناريوهات، ومن اختلاقات وافتراءات- لا يأتون بمثله، ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيراً!!
إنهُ زمان لا مكان فيه لبُلغة من كلامٍ له ثمرة ومعنى.. ولا مناخ لأثارة من قولٍ له أساسٌ ومبنى.
فلا جُناح عليك يا صاحبي أن تتصرّما.. والقلب أن يتحطّما..
فاكذب.. فإنّ الكونَ يكذب والمَلا
مُتزاحمٌ (ولذا نُجلُّ الأكذبا)!
ولذلك كلّه، وبعد كلّ ذلك..
يا ناس.. يا عالم:
«اكذبوا وخادعوا ترى الصِدْق خيبة»..
ولنا لقاءٌ والسلام..
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.