الأحد 21 رمضان / 26 مايو 2019
06:02 م بتوقيت الدوحة

التخلي عن التقدم (2-2)

التخلي عن التقدم (2-2)
التخلي عن التقدم (2-2)
والسبب الثالث المرتبط بما سبق، هو التوزيع غير المنضبط تماماً لمكاسب الدخل القومي في العديد من الدول؛ فقد قام التقدم الاجتماعي على وعد بتقاسم فوائد التقدم التكنولوجي والاقتصادي، لكن البحث الريادي الأخير الذي أجراه راج شيتي وزملاؤه يوضح أنه بينما حقق 90 % من البالغين الأميركيين الذين وُلدوا في بداية الأربعينيات من القرن العشرين مكاسب تفوق تلك التي حققها آباؤهم، فإن هذه النسبة انخفضت انخفاضاً مطرداً منذ ذلك الحين إلى 50 % بالنسبة للذين وُلدوا في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين. ويُعزى ربع نسبة هذا الانخفاض فقط إلى تباطؤ النمو الاقتصادي. وأما النسبة المتبقية، فتعود إلى تزايد التوزيع غير العادل للدخل، فعندما يصل انعدام المساواة إلى هذا الحد، تُقوّض الأسس التي يقوم عليها العقد الاجتماعي، كما يصبح من المستحيل أن نتحدث عن التقدم الشامل إذا كان الأطفال معرّضين لأن يصبحوا في وضع أسوأ من آبائهم.
يتعلق السبب الرابع بالبعد المكاني البارز سياسياً لنهج عدم المساواة الجديدة، فيزداد معدل زواج الأشخاص المتعلمين الناجحين المؤهلين، ويعيش هؤلاء الأشخاص بالقرب من بعضهم البعض، وغالباً ما يكون ذلك في المناطق الحضرية الكبيرة المزدهرة. أما غيرهم من غير المتمتعين بتلك المهارات، فيتزوجون أيضاً، ويعيشون بالقرب من بعضهم البعض، وغالباً ما يكون ذلك في مناطق فقيرة أو بلدات صغيرة. وبالنتيجة، وكما أوضحت حسابات مارك مورو وسيفان ليو من معهد بروكنجز، فإن المقاطعات التي فاز بها ترمب تشكّل حوالي 36 % من الناتج المحلي الإجمالي، بينما المقاطعات التي فازت بها كلينتون تمثّل 64 % من الناتج المحلي الإجمالي. وبهذا، فإن زيادة عدم المساواة المكانية تخلق مجتمعات كبرى بلا مستقبل، لا تتطلع إلا إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
كان الإيمان بالتقدم من البنود الأساسية للعقد السياسي والاجتماعي لعقود ما بعد الحرب، وكان دائماً جزءاً لا يتجزأ من معتقد اليسار، وكان اليمين يؤمن بالتقدم أيضاً. وبعد ما حدث عام 2016، لم يعد من الممكن اعتبار دعم مفهوم تم تشكيله في عصور التنوير على أنه من المسلّمات.
على من يعتقد أن التقدم يجب أن يظل البوصلة التي توجه المجتمعات في القرن الحادي والعشرين، أن يجعل أولويته في إعادة تعريف التقدم في سياق اليوم، وتحديد جدول أعمال السياسات المقابلة.
ولإيجاز ما سبق، فإن العدالة الاجتماعية لا تختص فقط بالبيئات الناجحة. فعلى مدار العديد من العقود، مثّل النمو بديلاً عن سياسات التماسك الاجتماعي المعقولة، وأضحى ما تحتاجه المجتمعات المتقدمة الآن هو المواثيق الاجتماعية التي يمكنها التكيّف مع التحولات السكانية والأعطال التكنولوجية والصدمات الاقتصادية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.