الإثنين 20 شوال / 24 يونيو 2019
10:22 م بتوقيت الدوحة

التخلي عن التقدم (1-2)

التخلي عن التقدم  (1-2)
التخلي عن التقدم (1-2)
يُذكر كل من مارجريت ثاتشر ورونالد ريجان بالثورة التي أطلقاها في بداية الثمانينيات، والقائمة على مبدأ عدم التدخل، فقد فازا في حملاتهما الانتخابية على أساس الوعد بأن رأسمالية السوق الحرة ستطلق النمو، وتعزز الازدهار، وفي عام 2016، أطلق نايجل فراج، الذي كان وقتئذ رئيس حزب الاستقلال البريطاني (حزب الاستقلال)، وكان العقل المدبر لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit) ودونالد ترمب الرئيس الأميركي المنتخب، حملتهما على أساس مختلف تماماً، وهو «الحنين إلى الماضي»، وتمكنا من الفوز على أساسهما. وفي واقع الأمر فإن وعودهما شملت: «استعادة السيطرة»، و»استعادة عظمة أميركا»، وبعبارة أخرى «إعادة عقارب الساعة للوراء».
وكما أوضح مارك ليلا، الأستاذ بجامعة كولومبيا، فإن انبعاث الرجعية مجدداً لا يقتصر على المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية، ففي الكثير من البلدان المتقدمة والناشئة، أصبح الماضي فجأة أكثر أهمية من المستقبل. ففي فرنسا، تميل مارين لوبان، مرشحة اليمين القومي في الانتخابات الفرنسية الأخيرة، صراحة إلى تلك الحقبة التي كانت الحكومة الفرنسية تسيطر فيها على الحدود، وتحمي الصناعة، وتدير العملة، وكانت هذه الحلول ناجحة في الستينيات من القرن العشرين، كما تدعي زعيمة الجبهة الوطنية، مما يعني أن تنفيذها في الوقت الراهن سيعيد الازدهار إلى فرنسا. لا شك أن مثل هذه الإغراءات قد دقت على وترٍ حساس لدى الناخبين في جميع أنحاء الغرب، وكان العامل الرئيسي لهذا التحول في التوجهات العامة أن الكثير من المواطنين فقدوا ثقتهم في التقدم، وأصبحوا لا يؤمنون بأن المستقبل سوف يحقق لهم تحسناً مادياً، وأن أبناءهم سوف يحيون حياة أفضل من حياتهم، ولهذا فإن نظرتهم إلى الماضي تنبع من خوفهم من التطلع إلى المستقبل.
فقد التقدم بريقه لأسباب عديدة:
أولها: عقد من الأداء الاقتصادي السيء للغاية، فبالنسبة لأي شخص يقل عمره عن الثلاثين، لا سيما في أوروبا، أصبح الوضع الطبيعي الجديد هو الركود والجمود، وأدت الأزمة المالية إلى خسائر فادحة. وعلاوة على ذلك فإن وتيرة المكاسب الإنتاجية في الدول المتقدمة (وإلى حد كبير في الدول الناشئة) مخيبة للآمال للغاية، ونتيجة لذلك فإن مكاسب الدخل التي يمكن توزيعها قليلة جداً، وتقل أكثر في المجتمعات التي تعاني من الشيخوخة، حيث يقل عدد العاملين، ويعيش من لا يعمل لمدة زمنية أطول. لا يمكن أن يستمر هذا الواقع المرير (ولا يوافق كل الاقتصاديين على استمراريته) لكن المواطنين معذورون على أخذهم الأمور على ظاهرها.
أما السبب الثاني الذي أدى بالتقدم إلى فقدان مصداقيته، هو أن الثورة الرقمية تخاطر بتقويض الطبقة المتوسطة التي شكلت العمود الفقري لمجتمعات ما بعد الحرب في الاقتصاديات المتقدمة في العالم، وطالما استمر التقدم التكنولوجي في القضاء على الوظائف التي لا تتطلب المهارات، فإن التعليم هو الرد الواضح المتعلق بالسياسات. ويؤدي استخدام الإنسان الآلي والذكاء الاصطناعي إلى القضاء على الوظائف التي تتطلب مهارات متوسطة، مما يؤدي إلى استقطاب سوق العمل، وخلق فرص عمل في قمة وقاع دورة الأجور فقط، وهذا لا يعتبر «تقدماً» بالنسبة لأولئك الذين لم تصبح لمهاراتهم قيمة، والذين أضحت وظائفهم مهددة نتيجة للأتمتة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.