الإثنين 23 محرم / 23 سبتمبر 2019
12:04 م بتوقيت الدوحة

دراسة للدكتور ياسر الخلايلة أستاذ القانون الدولي بجامعة قطر:

ماذا بعد قرار الجمعية العامة رفض قرار ترمب حول القدس العربية؟

ماذا بعد قرار الجمعية العامة رفض قرار ترمب حول القدس العربية؟
ماذا بعد قرار الجمعية العامة رفض قرار ترمب حول القدس العربية؟
شكل مساء يوم الخميس 21 ديسمبر منعطفاً بالغ الأهمية في تاريخ القضية العربية الأولى، حيث صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 128 صوتاً لصالح التوصية بعدم تغيير طابع مدينة القدس الشريف، ومؤكدة على جميع الدول بأن أي اتجاه يخالف ذلك لا يُنتج أثراً قانونياً. وبالرغم من ذلك، تقرر جواتيمالا حذو قرار الولايات المتحدة بنقل سفارتها أيضاً إلى القدس العربية.
ويُعتبر القرار صفعة أممية وبامتياز للرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، حيث جاء بتصويت غالبية دول الجمعية، وبغياب 21 دولة، وامتناع 35 دولة عن التصويت، ومعارضة 9 دول فقط من إجمالي الدول الـ 193 الأعضاء في الأمم المتحدة، من بينها الولايات المتحدة الأميركية طرف النزاع محل القرار، وإسرائيل صاحبة المصلحة الحقيقية من القرار، وبعض الدول الأخرى التي تقتات بشكل مباشر على مساعدات الولايات الأميركية لها، أو أنها ترتبط بالنظام الصهيوني بقواعد وثيقة العرى، كجمهورية جواتيمالا التي ترتبط بإسرائيل برابطة الحبل السُّري. فحُق لهذا القرار أن يُعتبر ركلة قوية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي، اللذين هددا بقطع المساعدات المالية عن الدول التي ستصوت لصالح القرار بما يشبه التخبط السياسي غير المسبوق. جاء هذا القرار بموجب جلسة طارئة للجمعية العمومية وفقاً لقرار (377) لعام 1950، والمعروف بـ «قرار الاتحاد من أجل السلام»، فكان من الطبيعي أن يحظى بزخم إعلامي مميز يشفي صدور العرب، المسلمين والمسيحيين، باعتباره قراراً ليس على شاكلة باقي القرارات الأممية التي تأتي على شكل توصية اعتيادية.
وتثير التوصيات التي تتبناها الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت بند «قرار الاتحاد من أجل السلام» جدلاً بشأن الطبيعة القانونية لها. فهل تتمتع بالصفة الإلزامية أم أنها لا تعدو أن تكون من قبيل التوصيات غير الملزمة؟ وهل هي واجبة التنفيذ من قبل الدول المخاطبة بأحكامها والدول الأعضاء في ميثاق هيئة الأمم المتحدة؟ ولعل بداية هذا الجدل بخصوص القرار الأخير جاء مع التصريح الذي أدلى به أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبوالغيط عندما أعلن أن الدول العربية ستطلب من الجمعية العامة تمرير قرار ملزم.
وفي هذا الصدد، نقول ما يلي:
أولاً: هناك جملة من الشروط الموضوعية والإجرائية لتفعيل الوصول إلى «قرار الاتحاد من أجل السلام». وتتمثل الأولى في أن تكون هناك حالة من الحالات التي تهدد السلم والأمن الدوليين، أو وجود إخلال بهما، أو عمل من أعمال العدوان الذي يمسّ السلم والأمن الدوليين، وأن يعجز مجلس الأمن عن اتخاذ قرار لمواجهة الحالة التي تهدد السلم والأمن الدوليين. أما الشروط الإجرائية، فتتمثل في التفريق بين ما إذا كانت الجمعية العامة في حالة انعقاد أو عدم انعقاد. ففي الحالة الأولى تقوم الجمعية العمومية بالنظر في الحال في المسألة لعمل التوصيات المناسبة للأعضاء حول التدابير الجماعية التي سوف تُتخذ. أما في الحالة الثانية، فيمكن للجمعية العمومية أن تجتمع في دورة استثنائية خلال الأربع والعشرين ساعة التي تلي طلب الانعقاد. ويكون طلب الانعقاد إما من مجلس الأمن، شريطة موافقة تسعة من أعضائه، وليس بالضرورة أن تكون من بينها أصوات الخمسة دائمي العضوية، أو من قبل أغلبية أعضاء منظمة الأمم المتحدة.
ثانياً: إن الأوضاع المتعلقة بالقدس كانت دائماً محل نظر مجلس الأمن وعلى جدول أعماله، حيث إنه وفقاً للفقرة (7) من قرار مجلس الأمن رقم (1322) لعام 2000، فإنه يجب على الأمين العام مواصلة متابعة قضية القدس، وإبقاء المجلس على علم بها. ومنذ ذلك العام، كانت قضية القدس على جدول أعمال مجلس الأمن، بحيث يتم الاجتماع كل شهر لمناقشتها في جلسة عادية، وكل ثلاثة أشهر لمناقشتها في جلسة علنية شاملة. ومع ذلك، وبناء على قرار الاتحاد من أجل السلام، تمكنت الجمعية العامة من مناقشة موضوع قرار ترمب بشأن القدس في جلسة طارئة، رغم أن الموضوع ما زال قيد النظر في مجلس الأمن. وعليه، يمكن القول إن الشروط الموضوعية والإجرائية قد تحققت بشأن مشروع قرار الجمعية العمومية حول عدم مشروعية قرار الولايات المتحدة نقل سفارتها إلى القدس بوصفها عاصمة لإسرائيل.
ثالثاً: لا شك أن قرار الاتحاد من أجل السلام جاء داعماً لصلاحيات الجمعية العامة على حساب مجلس الأمن. لكنّ هذا القرار لم يأت دون نقد بأنّه جاء مخالفاً للمادة 11 من ميثاق الأمم المتّحدة التي تفرض على الجمعية العامة إحالة أي مسألة تتطلب القيام بعمل ما إلى مجلس الأمن لينظرها، ومع المادة 12 من الميثاق التي تحظر على الجمعية العامة النظر في أي نزاع ما زال منظوراً في مجلس الأمن، إلا إذا قرّر مجلس الأمن ذاته إحالة الموضوع إلى الجمعية العمومية.
ولكن لا بد من التذكير بأن «قرار الاتحاد من أجل السلام» ذاته قد تم اتخاذه بأغلبية ساحقة عند تبنيه من قبل الجمعية العموميّة، وأنّه أصبح من المسلّمات القانونية (وإن لم يشكل عرفاً دولياً) نتيجة لتكرار المناداة به في عشرة أحوال مختلفة منذ تاريخ نشوئه. ولا بد أيضاً من التذكير بما انتهت إليه محكمة العدل الدولية إلى إقرار شرعية قرار الاتحاد من أجل السلام في رأيها الخاص بنفقات الأمم المتحدة لعام 1962، حيث جاء في فتواها بأن مجلس الأمن ليس الجهاز الأوحد المختص بحفظ السلم والأمن الدوليين، وأنّ استئثاره باتخاذ أعمال القمع، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة لا يتعارض مع ما تصدره الجمعية العامة من توصيات تهدف إلى صيانة السلم والأمن الدوليين. وبالرغم من حقيقة أن منطوق القرار رقم 377 لعام 1950 يعلن صراحة بأن ما يتم التوصل إليه من القرارات هو من قبيل التوصيات وليس القرارات، إلا أنه لا بد من التنويه بأن هناك ثمة فرق في التوصيات التي تصدرها الجمعية العامة تحت بند «الاتحاد من أجل السلام»، وفي تمكينها للجمعية العمومية من التوصية باستخدام القوات المسلحة، الأمر الذي يُعد من اختصاصات مجلس الأمن وحده دون غيره، بالرغم من بقاء المشكلة الملازمة دوماً في تنفيذ هكذا توصية دون إرادة سياسية. فبينما تم تنفيذ هكذا قرار أثناء الحرب الكورية، لم يُنفذ مثيله في أزمة هنغاريا.
رابعاً: بينما يردد بعض السياسيين عبارة «قرار الاتحاد من أجل السلام» في معرض بحث خيارات الخروج من مأزق سياسي معيّن، إلا أنه لا بد من التسليم، من الناحية السياسية الصرفة، بأن مفعول قرار الاتحاد من أجل السلام في مرحلة ما من تاريخ الأمم المتحدة قد يختلف تماماً عن مفعوله في مرحلة أخرى. فما اعتمدته الجمعية العامة إبان الحرب الكورية في مطلع الخمسينيات، يجب أن يُقاس من خلال النظر في الظروف الدولية آنذاك، والتي تمثلت بسخونة الحرب الباردة بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية، حيث لم تكن العلاقة بين هذين المعسكرين تكاملية بقدر ما هي تناقضية. ولهذا كان لطبيعة القرار من حيث ظروفه، وشروطه، وأهدافه مختلفة، جعلت منه توصية تتمتع بالإلزام. فلقد عكست العلاقة التناقضية بين الكتلتين الشرقية والغربية في مطلع عام 1950 رفض قبول عضوية الصين الشعبية بالأمم المتحدة، ما حدا بالاتحاد السوفييتي لمقاطعة جلسات مجلس الأمن. ومع اندلاع حرب الكوريتين، وتدخل الأمم المتحدة إلى جانب كوريا الجنوبية، استناداً إلى قرارات من مجلس الأمن، في ظل غياب الاتحاد السوفييتي عنه، اضطر الاتحاد السوفييتي للعودة إلى جلسات مجلس الأمن، واستخدم حق النقض ضد مشاريع قرارات هدفت لمواصلة العمليات الحربية ضد كوريا الشمالية، ما أجبر الولايات المتحدة الأميركية على اللجوء إلى الجمعية العمومية لحملها على استصدار قرار يسمح لها بمواصلة حربها في كوريا الشمالية، بما أطلق عليه اسم قرار «الاتحاد من أجل السلام» منذ ذلك التاريخ.
خامساً: مع أنه يمكن القول إن زخم التصويت، الذي اكتسبه هذا القرار، مقروناً بالتصويت من دول ذات ثقل سياسي كبير، قد يُعيد للأذهان الظروف المناسبة لتفعيله، وأن مؤشرات القطبية اللازمة لتوازن القوى الدولية قد بدأ يظهر تدريجياً، خصوصاً مع اختلاف وجهات الدول العظمى على كثير من المسائل التي تتعلق بالشرق الأوسط عموماً، إلا أنه يلزم التأني في استنتاج أن القرار الأخير يمكن أن يتم تفعيله بشكل كافٍ كما حدث عام 1950. فالإفراط في التفاؤل هنا قد يكون مخيباً للآمال، وذلك بالنظر للظروف الدولية المتقلبة، وطبيعة العلاقات الدولية المتأرجحة، وتبادل أدوار اللاعبين الرئيسيين فيها، ما يدعو للريبة في المرحلة الراهنة.
سادساً: لا بد من التنويه بأن القدس ليست بحاجة إلى قرار أممي جديد ملزم لإبطال قرار ترمب، ذلك أن القرار رقم 478 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، الذي تم اعتماده في 20 أغسطس 1980 بإدانة إسرائيل لعدم امتثالها لقرار مجلس الأمن الدولي 476، وذلك بتمريرها قانون القدس، الذي أُعلن فيه أن القدس هي عاصمة إسرائيل. هذا القرار هو واحد من سبعة قرارات صادرة عن الأمم المتحدة أدينت فيها إسرائيل في محاولتها لضم القدس الشرقية، باعتباره انتهاكاً للقانون الدولي. وينص هذا القرار على أن المجلس لن يعترف بهذا القانون، ودعا الدول الأعضاء إلى قبول قرار المجلس، وإلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من المدينة. وقد صدر القرار بأغلبية 14 صوتاً مقابل لا شيء، مع امتناع الولايات المتحدة عن التصويت. ويلاحظ هنا أنه بالرغم من تمتع هذا القرار بكل معاني الصفة الإلزامية على جميع دول العالم، تبدو العنجهية الأميركية بضرب قرارات الأمم المتحدة الملزمة عرض الحائط، مبرهنة في كل مرة أن تصرفاتها إنما تُتخذ استناداً لمصالحها السياسية، وليس استناداً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. بل والأكثر عنجهية وعبثية أن تقوم دولة جواتيمالا بنقل سفارتها للقدس، مخالفة بذلك قرارات الشرعية الدولية، وتحث طائلة المسؤولية الدولية. بالرغم من ذلك، فإنه لا بد لنا من أن لا نقلل من أهمية قرار الجمعية العمومية في دورتها الأخيرة. ومن المؤسف حقاً أن تقوم بعض الأجهزة الإعلامية العالمية العربية بالتقليل من شأن هذا القرار، بوصفه بالقرار العادي والاستشاري لا غير، وبأنه لا يختلف عن قرارات الجمعية العامة السابقة. فعقد اجتماع استثنائي لدورة خاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 377 تحت بند «الاتحاد من أجل السلام»، وإصدار قرار حول القدس بأغلبية الثلثين، له ما له من تثبيت للحقوق، واعتبار قرار ترمب حول القدس، أو أي قرارات أحادية أخرى، باطلة وملغاة، وليست لها أية صفة قانونية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.