الجمعة 20 شعبان / 26 أبريل 2019
06:55 ص بتوقيت الدوحة

كيف تشكّل الثقافة تطور الإنسان (1-2)

كيف تشكّل الثقافة تطور الإنسان (1-2)
كيف تشكّل الثقافة تطور الإنسان (1-2)
تُرى هل يوجد تفسير تطوري لأكبر النجاحات التي حققتها البشرية في التكنولوجيا، والعلوم، والفنون، ويمكن تتبع جذوره إلى السلوك الحيواني؟ طرحت هذا السؤال لأول مرة قبل ثلاثين عاماً، ومنذ ذلك الوقت كنت عاكفاً على التوصل إلى إجابة عنه.
الواقع أن العديد من الحيوانات تستخدم الأدوات، وتُصدِر إشارات، وتقلد بعضها بعضاً، وتحتفظ بذكريات من أحداث من الماضي، حتى أن بعض الحيوانات تطور تقاليد مُتَعَلَّمة تصاحب تناول أغذية بعينها، أو إنشاد نوع بعينه من الأغاني، وهي أفعال تشبه إلى حد ما الثقافة البشرية.
بيد أن القدرة العقلية البشرية تتجاوز ذلك بأشواط بعيدة، فنحن نعيش في مجتمعات معقدة ومنظمة حول قواعد، وأخلاقيات، ومؤسسات اجتماعية يُرمَز لها لغوياً، وتعتمد هذه المجتمعات بشدة على التكنولوجيا. فقد ابتكرنا آلات تطير، ورقاقات إلكترونية، ولقاحات. كما كتبنا القصص، والأغاني، والسوناتات، ورقصنا في بحيرة البجع.
وقد أثبت علماء النفس التطوري أن المهارات الإدراكية والمعرفية التي يمتلكها صغار الأطفال من البشر تماثل تلك التي تتمتع بها حيوانات الشمبانزي والأورانجوتان البالغة، عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع العالم المادي (على سبيل المثال الذاكرة المكانية واستخدام الأدوات). أما إذا تحدثنا عن الإدراك الاجتماعي (مثل تقليد الآخرين أو فهم النوايا والمقاصد)، فإن عقول صغار الأطفال متطورة بشكل أكبر كثيراً.
ونلاحظ نفس الفجوة في كل من مهارات الاتصال والتعاون، فلم تصمد تحت الفحص والتدقيق الادعاءات المبالغ فيها حول إنتاج القِرَدة العليا للغة: صحيح أن الحيوانات قادرة على تعلم معاني الإشارات، والربط بين تركيبات بسيطة من الكلمات، ولكنها لا تستطيع إتقان بناء الجملة. وتُظهِر التجارب أن القِرَدة العليا تتعاون بقدر أقل كثيراً من السهولة مقارنة بالبشر.
وبفضل التقدم في علم الإدراك المقارن، أصبح العلماء الآن على يقين من أن الحيوانات الأخرى لا تمتلك قدرات مستترة في التفكير الاستدلالي والتعقيد الإدراكي، وأن الفجوة بين ذكاء البشر وذكاء الحيوان حقيقية. كيف إذن نشأ وتطور شيء بهذا القدر من الاستثنائية والتفرد الذي يحظى به العقل البشري؟
مؤخراً، نجحت جهود مضنية في تخصصات متعددة في التوصل إلى حل لهذا اللغز التطوري القديم قِدَم الأزل. فقد تبين أن الخصائص الأكثر استثنائية التي يتسم بها نوعنا -الذكاء، واللغة، والتعاون، والتكنولوجيا- لم تتطور بوصفها استجابات تكيفية لظروف خارجية. بل إن البشر مخلوقات من صُنع ذواتها، فهي تتمتع بعقول لم تُبنّ للثقافة فحسب، بل وأيضاً بالثقافة. بعبارة أخرى، عملت الثقافة على تحويل هيئة العملية التطورية.
وقد استقينا أفكاراً أساسية من الدراسات التي تناولت السلوك الحيواني، والتي أظهرت أنه على الرغم من انتشار عملية التعلم الاجتماعي (التقليد) في الطبيعة، فإن الحيوانات انتقائية للغاية في اختيار ماذا ومَن تقلد. ولا يمنح التقليد ميزة تطورية إلا عندما يكون دقيقاً وفعّالاً. وبالتالي، ينبغي للانتقاء الطبيعي أن يُحابي البُنى والقدرات التي تعزز دقة وكفاءة التعلم الاجتماعي في الدماغ.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا