الثلاثاء 17 شعبان / 23 أبريل 2019
07:00 ص بتوقيت الدوحة

البشر والحجر

البشر  والحجر
البشر والحجر
لا شيء يعوض خسارة إنسان، ولا أستطيع أن أتصور إطلاق لفظ «متحضر» على إنسان يقدر الحجر أكثر من تقديره للبشر، فالبشر هم من أقاموا المعابد، والكاتدرائيات العملاقة، والأهرام.. البشر هم من كتبوا المؤلفات الأدبية، وروائع الموسيقى والأغاني.
المفروغ منه أن البشر يقيم الحجر، ولكن الحجر لا يمكن أن يصنع بشراً، صحيح أن الحجر يؤثر في البشر وينطبع عليهم، ولكنه صناعة بشرية، فاذا قامت كارثة أو وقعت حرب، فلا شك أن الاهتمام الأولي هو حصر الأرقام البشرية التي راحت جراء هذه الكارثة أو تلك الحرب، البشر ليسوا مجرد أرقام تحصى أو أسماء تذكر، إنهم صنيعة الخالق الأعظم، ولا شيء يعادل هذه الصنيعة أو يعوضها.
وقد ساءني وأنا أقرأ كتاب عبد الله السناوي «أحاديث برقاش- هيكل بلا حواجز»، وهو رصد أدبي لمسيرة صداقة السناوي مع هيكل، وفي الكتاب يتحدث السناوي، كثيراً عن مقتنيات هيكل الثمينة، التي أُحرقت عقب هجوم بعض الفوضويين على مزرعة هيكل في برقاش، والحقيقة أن للرجل كل الحق في عضّ أصابع الندم على فقدان هذه المقتنيات التي لا تعوّض، ولكن اللافت للنظر أنه سرعان ما وجه تهمة حرق المتحف الثمين إلى الأصوليين الإسلاميينّ!.
ولست أدري على أي أساس بنى هيكل أو السناوي هذه الفرضية، مع أن مصر كلها كانت تُحرق وقتها بفعل فاعل، ولكن المخزي أن السناوي يتحدث عن هذه الكارثة الحضارية ناسياً، أو متناسياً، أن مصر فقدت وما زالت تفقد حتى الآن بالقتل أو الحرق أو الاعتقال عقولاً جبارة، من جراء الاحتلال العسكري لمصر. نسي السناوي المثقف أن أوروبا فقدت أثناء الحرب العالمية الثانية مخزوناً كبيراً من تراثها الثقافي والحضاري، ولك أن تعرف أن الاتحاد السوفييتي وحده فقد في هذه الحرب مائة وخمسين متحفاً، وآلاف المكتبات، وآلاف الآثار المعمارية النادرة، وكذلك فرنسا والنمسا وألمانيا وإيطاليا، ولكن هذه الدول تحدثت أكثر عن فقدانها خمسين مليون إنسان في هذه الحرب! أوروبا أقامت عشرات المقابر والنصب التذكارية لملايين الرجال تكريماً لهم، وإبقاء على ذكراهم.. أوروبا تقيم تأبيناً سنوياً لذكرى هؤلاء الرجال، فالبشر أولى من الحجر.
حرق مكتبة هيكل الثمينة تم بعد مقتلة رابعة، التي أذاعها الجيش المصري على الهواء مباشرة، والتي راح ضحيتها الآلاف، واتهم المثقفون وإعلام الفجور الإخوان بحرق مكتبة هيكل، رداً على محرقة رابعة، ولم يتهم أحد الداخلية بالتقصير في حماية رجلهم، ولم يقل لنا أي ملوث فيهم إذا كانت المكتبة نهبت، فأين هي هذه المنهوبات، ومن المسؤول عنها؟ ورغم ما ذكره الأستاذ فهمي هويدي عن أن الجرائد المستقلة هي من تطوّعت لإلصاق هذه التهمة بجماعة الإخوان، وإن الأمن قبض على قهوجي، مسجل خطر، ضالع في هذا الحريق، إلا أن هيكل رد على هويدي بأن الإخوان معروف عنهم أنهم يستأجرون البلطجية، وأصر هيكل وألح المثقفون الليبراليون على إلصاق التهمة بالإسلاميين، الذين وصفهم هيكل في حديث تلفزيوني بأنهم لا يعرفون شيئاً عن العالم، وأقام أعلام المخدرات السرادقات ومحافل البكائيات، ليس حزناً على المكتبة الثمينة، وإنما تشويهاً وانتقاماً من الإخوان، وضاعت في هذا الزحام حقيقة أن المتهم المقبوض عليه لدى الأمن (قهوجي) جاهل مسجل خطر، من صنيعة ستين سنة حكم عسكر، صاغ أفكارهم هيكل نفسه وحواريه من المثقفين الذين يهمهم الحجر والورق أكثر من اهتمامهم ببشر حَرق عقولهم وأجسادهم وأرواحهم هؤلاء العسكر ومفكروهم!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الإرهاب المحتمل

26 أكتوبر 2017

«يوم أن تحصى السنون»

16 أكتوبر 2017

مصر التي ...

05 أكتوبر 2017