الأربعاء 14 ذو القعدة / 17 يوليه 2019
02:01 م بتوقيت الدوحة

كن شجاعاً

كن شجاعاً
كن شجاعاً
نواصل الحديث في سياق المقال السابق، حيث تناولنا فوائد ومساوئ التنقل من وظيفة إلى أخرى، ومن جهة عمل إلى جهة أخرى، وتطرقنا لبيئات العمل الإيجابية منها والسلبية، الجاذبة للموظف الطموح، وتلك الطاردة للكوادر الموهوبة، ولكن ما الذي ينبغي فعله في أسوأ الأحوال؟ قد تجد شيئاً من الإجابة في قصة أحد الزملاء الذي كان يعمل مديراً في إحدى المؤسسات، ومن المنظّرين لثقافة العمل المؤسسي والملتزمين بها، فهو يعرف حدود مسؤولياته وسقف صلاحياته، ويحترم التسلسل الإداري، ورغم إغراءات المنصب والامتيازات التي يحصل عليها من تلك الوظيفة، إلا أنه أصبح في مواجهة مع بيئة عمل غير منضبطة كما ينبغي بمبادئ العمل المؤسسي، بيئة عمل لا تضيف إليه الجديد، ليست محفزة على بذل المزيد من الجهد، لقد ساءت الأمور إلى درجة أنه قدم استقالته من تلك المؤسسة، وعندما التقيت به بعد أقل من عقد من الزمن من استقالته، وسألته عما إذا كان يشعر بالندم على ذلك القرار قال:
«إطلاقاً، بل لم أكن لأتخيل بأن استقالتي من عملي سيكون لها كل هذا التأثير على مجرى حياتي، إنني ممتن لتلك الظروف التي وضعتني في خيارات كنت أعتقد أنها صعبة بل مستحيلة، فإما الاستمرار في العمل والتعايش مع تلك التحديات الصعبة، والتي بدأت تفقدني الحماس لما أقوم به من عمل، ومن ثم فقد ذلك الإحساس العميق بالرضا والسعادة والإنجاز، أو الاستقالة والبدء من جديد».
يقول: «لقد اتخذت قراري بالاستقالة، ولم أفكر حينها في العواقب، لقد كنت مجازفاً، نعم أنا لم أفكر حينها ما الذي سأصنعه غداً، ولكن ما إن أقدمت على تلك الخطوة الجريئة حتى شعرت بقيمة الذات بعد تقديم استقالتي مباشرةً، شعرت بالحرية وبالقوة، وبأنني قادر على اتخاذ قرارات مصيرية، وأن أتحمل تبعاتها. لقد انجلت تلك الغشاوة القابعة على بصيرتي، وذلك الوهم المسيطر على تفكيري، وَهْم «الأمن الوظيفي».
ويضيف قائلاً: «لقد بدأت أخصص وقتاً كل صباح للتفكير في المستقبل ودراسة الخيارات المطروحة والفرص المناسبة، والتي من الممكن اغتنامها في المجالات التي أستطيع أن أساهم فيها وأستغل خبراتي ومهاراتي بشكل أفضل، لقد أصبح ذلك الأفق الضيق بالأمس رحباً يعج بالفرص الواعدة».
كن شجاعاً... نعم قد تكون بحاجة في ظرف ما لتسجيل موقف ما بدافع ما تؤمن به من مبادئ وأخلاقيات، ومهما كان ثمن ذلك الموقف الذي اتخذته فلن يكون أغلى من فقدك احترامك لذاتك ولكن، لا تتهور.
نعم لا تتهور فالخيط رفيع بين الشجاعة والتهور، ولتكن ردة فعلك على قدر الحدث، واعلم أن قرار الاستقالة على سبيل المثال من القرارات المصيرية والمؤثرة على مجرى حياتك لارتباطها بمصدر رزقك وأسلوب معيشتك ما لم تتوفر الأسباب الكافية المبررة لذلك القرار. وهناك عدة أسباب تجعل الشخص يفكر في الاستقالة أو تغيير مكان عمله، منها أسباب لها طابع شخصي، كالظروف الخاصة التي لا يمكن معها الاستمرار في نفس مجال العمل، على سبيل المثال عدم اللياقة الطبية، أو ظروف اجتماعية تكون غالباً مرتبطة بالأسرة، أو لأسباب دينية تتعلق بمستجدات في مكان العمل تنطوي على ممارسات مخالفة لمعتقدات الموظف. وغالباً ما تكون هذه الأسباب قاهرة ويصعب تغييرها أو الالتفاف عليها، ولأي من تلك الأسباب ممكن القول إن قرار الاستقالة أصبح مفروضاً وليس خياراً.
وهناك أسباب لها علاقة بالعرض والطلب، أي إنها تعتمد على متغيرات سوق العمل، ومستجدات الفرص، وإمكانيات الموظف من مؤهلات وخبرات وطموحات، وقد تكون تلك الأسباب مالية، كأن تحصل على عرض بأجر مغرٍ، أو قد تكون أسباباً معنوية كأن تحصل على وظيفة لها مزايا اجتماعية ذات قيمة، أو أن تطمح باكتساب خبرات جديدة، أو تكون رغبتك في التغيير بسبب تحديات الانسجام مع بيئة العمل الحالي وعدم القدرة على الاستمرار.
ولأيٍ من تلك الأسباب لا تتخذ قرارك قبل إعطاء وقت كاف لتشخيص الوضع، فإن ما يعقد الأمور أكثر هو ردة الفعل العاطفية المبنية على تشخيصٍ خاطئ، أو اختزال المواقف والقفز على التفاصيل للوصول إلى استنتاجات تكون غالباً غير مكتملة الأركان، ومن ثم اتخاذ قرارات لا تتناسب مع ما تقتضيه مصلحتك ومستقبلك.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

كن كالماء

26 أبريل 2018

بوصلة الأذكياء

27 نوفمبر 2017

كلام في الفكر

13 نوفمبر 2017

حاجز الوهم

30 أكتوبر 2017

عفريت في زجاجة

26 أكتوبر 2017