الثلاثاء 21 شوال / 25 يونيو 2019
08:23 ص بتوقيت الدوحة

حاجز الوهم

حاجز  الوهم
حاجز الوهم
تناولنا في المقال السابق «عفريت في زجاجة» ضرورة الاهتمام بالموهوبين، ووضع البرامج الكفيلة بالاكتشاف المبكر لهم، وكيف أنهم يمثلون ثروة وطنية، والمورد الأهم من باقي الموارد الطبيعية إذا ما تم الاعتناء به وتنميته والاستثمار فيه، وسنسلط الضوء في هذا المقال على صفحة أخرى من صفحات الموارد البشرية، لنتناول فيه تفاعل الموظف مع بيئة العمل.
لطالما كان الجدل محتدماً حول فوائد ومساوئ التنقل من وظيفة إلى أخرى، ومن جهة عمل إلى جهة أخرى، فالبعض ينظر للموظف الذي عمل في عدة جهات بعين الريبة، ويتساءل عن أسباب ذلك على أساس أن تغيير جهة العمل يعني الفشل في أداء المهمة، أو أن الموظف تعرض للطرد أو الإعفاء من عمله لأسباب تتعلق بقصورٍ في الأداء. في حين أن البعض الآخر له منظور معاكس تماماً، فهو يرى في ذلك ميزة وإثراء لخبرات الموظف، ودليلاً على قدرته على التغيير.
ولقد كشفت دراسة استطلاعية نشرت في عام 2008م على موقع «wordpress.com» عن أن المهنيين الذين غيروا وظائفهم بانتظام هم أكثر ثقة وأمناً مالياً من نظرائهم، وقد جاء على لسان أحد الموظفين الذين شملهم الاستطلاع أنه عمل في إحدى الشركات لمدة عشر سنوات بنى خلالها علاقات وثيقة مع رؤسائه في العمل، يدفعه في ذلك رغبته بالإحساس بالأمان من فقد الوظيفة، لدرجة أنه لم يكن ليتخيل أن يأتي يوم يفكر مجرد التفكير في البحث عن عمل آخر.
لم يكن ليلتفت لإعلانات الوظائف وإغراءات الشركات المنافسة، لأنه كان يؤمن بأن التغيير يساوي فقد الأمان الذي صنعه في مخيلته من شبكة العلاقات والصداقات في محيط عمله. كان يعمل بإخلاص منقطع النظير، ونسيَ أن ما يصنع الفرق عند رب العمل هو في الغالب مستوى الأداء وليس العلاقات أو الإخلاص والولاء، لقد اكتشف ذلك متأخراً جداً عندما لاحظ أن الموظفين الجدد أصبحوا يتقاضون أجراً مماثلاً لأجره، بل يحصلون على مكافأة سنوية أكثر مما يحصل عليه، رغم سنوات خدمته الممتدة.
هنا فكر في البحث عن فرصة أخرى، وما إن وجدها حتى اكتشف مقدار الوهم الذي كان يعيشه، والخوف من المجهول الذي كان يثنيه عن اتخاذ القرار الصحيح، واكتشف أيضاً زيف تلك الصورة التي صنعها في مخيلته، وكانت تحول بينه وبين النجاح والصعود إلى الأعلى.
يقول أحد الزملاء المتميزين في عملهم: «كنت كلما قضيت أربع سنوات في وظيفة ما، تنامى لدي شعور بالرغبة في التغيير، والتحليق في آفاق أرحب تستوعب ذلك النداء الصارخ في أعماقي، وهنا تجدني أتطلع للتغيير، وأحاول استغلال الفرص المناسبة، وكنت دائماً أقول لأصحابي إن الموظفين على صنفين، أما الصنف الأول فهو موظف بجناحين يستطيع فردهما في الهواء والطيران والتحليق بحرية، أحدهما جناح الثقة بالنفس، من حيث ما يمتلك من خبرات ومهارات دأب على تنميتها والاعتناء بها لترفع لديه جاهزية التغيير، والآخر جناح الإقدام والشجاعة المحسوبة لا التهور والطيش، أما الصنف الآخر من الموظفين فجناحاه قصيران لدرجة انعدام الثقة بإمكانية الطيران، فهو يمشي على الأرض مؤثراً السلامة على المغامرة، دون أن يعي أن ما يفعله هو أكبر مغامرة بمستقبله».
ويقول آخر: «لقد أتاح لي العمل في العديد من قطاعات الدولة على مدى ثلاثة عقود ونيف، فرصة التعرف على بيئات مختلفة من ثقافات الأعمال، ما بين ثقافة العمل الحكومي، ذلك المرتكز في الغالب على شخصية محورية في تصريف الأعمال وتحمل المسؤوليات، وثقافة العمل المؤسسي الذي يتمتع بديناميكية أسرع في اتخاذ القرارات، حيث يغلب عليه تفويض المسؤولية للمديرين ورؤساء الأقسام ومن يليهم. كما أتاح لي التنقل من وظيفة إلى أخرى مخالطة أنماط متعددة من الشخصيات، والتعرف على مختلف الثقافات، واكتساب العديد من المهارات وسعة الأفق، كل ذلك أدى إلى صقل جوانب عديدة من شخصيتي، بحيث أصبح لدي حصيلة من الخبرات والمهارات المتعددة، كانت كفيلة برفع القدرة على التعلم والإبداع وتقديم الأفكار الجديدة، وحل المشكلات بطرق مختلفة، والنظر إلى العقبات على أنها تنطوي على فرص للتميز وإطلاق الطاقات الكامنة».
ويضيف قائلاً: «لقد كان همي الأكبر هو تكريس الاحتراف والمهنية في ممارسة الأعمال، وذلك بنشر الثقافة المؤسسية، وإيجاد الوسائل الكفيلة برفع كفاءة العاملين، عبر تبني الإجراءات الحديثة في إنجاز الأعمال، وتشجيع الموظفين على اكتساب المهارات والخبرات، وتعزيز منظومة النزاهة والشفافية، لقد كان ذلك النداء الداخلي للإنجاز والإبداع والتميز هو الدافع الرئيس وراء الاهتمام بالتطوير المستمر، والمبادرات الإيجابية الجريئة».
في الكثير من الأحيان تفتقد أماكن العمل لروح التشجيع على الإبداع والمبادرة، ولكن ذلك لا يقف عائقاً أمام أولئك الذين يتمتعون بقوة دفع ذاتي للبحث عن الفرص التي تبرز ما لديهم من إبداعات. وقد تناولت هذا الموضوع في أول إصدار لي، وهو كتاب «التميز الوظيفي»، وقد شرحت فيه ما يمكن للموظف عمله للوصول إلى التميز عبر خطة عمل محددة، ومسار واضح، من خلال التعامل مع دائرة التأثير، وهي الدائرة التي يقع ضمن نطاقها كل شيء نملك السيطرة عليه وعلى تغييره، وبعكس دائرة التأثر وهي البيئة المحيطة بنا التي لا نملك السيطرة عليها.
ومن هذا المنطلق تتمحور فكرة كتاب «التميز الوظيفي» حول رسم خارطة طريق للموظف كي يستغل كل الموارد والإمكانيات المتاحة له لعمل التغيير المطلوب للوصول إلى التميز، ومن ثم فرص عمل أفضل، حتى لو كانت بيئة العمل الحالي غير مشجعة على التميز.. وللحديث بقية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

كن كالماء

26 أبريل 2018

بوصلة الأذكياء

27 نوفمبر 2017

كلام في الفكر

13 نوفمبر 2017

كن شجاعاً

09 نوفمبر 2017

عفريت في زجاجة

26 أكتوبر 2017