الأحد 18 ذو القعدة / 21 يوليه 2019
03:10 ص بتوقيت الدوحة

كيف نصمم السعادة؟

جيف مولجان

الجمعة، 27 أكتوبر 2017
كيف نصمم السعادة؟
كيف نصمم السعادة؟
خلال السنوات القليلة الماضية شهد الفكر المتعلق بالسعادة تغيراً كبيراً، فحتى وقت قريب كان يبدو من المنطق الافتراض بأن السعادة تحددها عوامل مثل الحظ أو القدر أو الجينات الخارجة عن سيطرتنا. لقد كان من السهل أن نؤمن بكلمات صامويل بيكيت «دموع العالم تتدفق باستمرار».
لكن الاكتشافات الجديدة تشير إلى أساليب تفكير جديدة تتعلق بالسعادة، وتعتبر السعادة كشيء يمكن أن نتحكم به، ويمكن أن نقوم بتعليمه.
إن السعادة تعتمد على العديد من العوامل، فمن الأشياء الواضحة مثل الاستمتاع بالصحة الجيدة والعلاقات الوثيقة إلى أمور أخرى قد لا تبدو بديهية للوهلة الأولى، مثل الانخراط في سلوك كريم. إن بعض تلك العوامل بالإمكان تعليمها أو تعزيزها، كما أن الدورات التي تعلم العادات العقلية الإيجابية -مثل تقدير الأشياء التي تهم وتجنب التفكير بالانتكاسات- قد أظهرت تحسناً ملموساً بالرفاهية. لقد ساعد الدلاي لاما مؤخراً في إطلاق سلسلة من تلك الدورات في لندن، وهي دورات تم تطويرها من قبل منظمة العمل من أجل السعادة، وهي منظمة ساعدت أنا في تأسيسها.
إن مجتمعات بأكملها يمكن أن تحاول أيضاً أن تحسن سعادتها. لقد أدخل رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون قياس السعادة في الإحصاءات الوطنية، كما قامت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في الآونة الأخيرة بإطلاق برنامج للترويج لرفاهية المواطن.
إن كيفية حكم البلدان لها تأثير كبير على السعادة، فالنجاح في المحافظة على السلام وحكم القانون ووجود ديمقراطية فاعلة هي أمور مهمة للغاية. إن هناك أدلة قوية للغاية على أن تلك الأمور عادة ما تكون مرتبطة بالرفاهية، وربما تتسبب بها، وهناك أسباب واضحة لماذا ينبغي أن يكون هذا هو الحال. إن وجود المرء في بلد يعيش حالة السلم لا يعتبر بحد ذاته سبباً لجعله سعيداً، ولكنه يزيل أسباباً واضحة كثيره للتعاسة.
إن السياسات الفردية لديها تأثير كبير كذلك. إن هناك أدلة قوية على تشجيع المزيد من الاهتمام بالصحة النفسية والجسمانية، وإعطاء أولوية قصوى لتقليص البطالة، ولكن الأدلة في مجالات أخرى لا تزال متفرقة وغير متجانسة، فنحن بكل بساطة لا نعرف كيف أن السياسات المختلفة المتعلقة بالزواج سوف تؤثر على الرفاهية على الرغم من معرفتنا بأن هناك رابطاً بينهما.
كما أننا لا نعلم ما إذا كنا بحاجة إلى التعليم الإجباري بشكل أكثر أو أقل أو ما هو المنهاج الذي لديه تأثير إيجابي أو سلبي. إن من المفاجئ بشكل عام أن للتعليم تأثيراً محدوداً واضحاً على السعادة (ربما لأن التوقعات ترتفع بشكل أسرع من احتمالية تحقيقها) كما أن العلم ليس واضحاً فيما يتعلق بما إذا كان للإجازة الأبوية أو أوقات العمل المرنة أو أعمار التقاعد المتأخرة أو القوانين التي تروج لتقاسم الوظائف التأثيرات التي قد يتوقعها المرء.
إن سبب المشكلة إلى حد ما هو الأدلة غير الكافية، ولكن التفاعلات المعقدة في بعض الأحيان تجعل السببية صعبة، فللوهلة الأولى يعتقد المرء أن تخفيض الضرائب سوف يجعل الناس أسعد، لأن حصولهم على دخل أكبر سوف يزيد من رفاهيتهم، ولكن هناك عوامل أخرى يمكن أن يكون لها تأثير، مثل ما إذا كان ينظر للتخفيضات الضريبية على أنها عادلة، وما يمكن أن يرافق تلك التخفيضات الضريبية من خفض للإنفاق.
على النقيض من ذلك وعلى مستوى البرامج الفردية هناك الكثير من الأدلة القوية. يوجد الآن نشرات مفصلة تصف تأثيرات الأنواع المختلفة من التمارين على الصحة الجسدية والنفسية، فبالنسبة لكبار السن فإن البقاء في حالة نشاط يعتبر مصدراً واضحاً للسعادة، سواء كان ذلك يعني التمرين أو التطوع أو الانخراط في وظيفة مدفوعة الأجر (لقد كشف بحث تم عمله في كندا أن الوظائف مدفوعة الأجر تعتبر أكبر مصدر رضا وقناعة للناس فوق سن الخامسة والستين).
إن هناك أدلة متزايدة على أن التدخلات في سياسات المدارس من أجل الترويج للمرونة أو التعاطف يمكن أن يكون لها أثر طيب على الرفاهية، وهناك مؤشرات توحي بأن التخطيط العمراني يمكن أن يؤثر على السعادة، وخاصة عندما يقلص الوقت الذي نقضيه في التنقل، أو يقلص من المخاوف المتعلقة بالجريمة.
إن من المستحيل بالطبع القضاء على المعاناة، فهي جزء من الحالة الإنسانية، ولكن يستطيع الأفراد والحكومات أن يجعلوا العالم مكاناً أكثر سعادة، فليس هناك داع لأن تتدفق دموع العالم باستمرار.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

كيف نصمم السعادة

15 ديسمبر 2017