الخميس 16 شوال / 20 يونيو 2019
06:28 ص بتوقيت الدوحة

عفريت في زجاجة

عفريت في زجاجة
عفريت في زجاجة
إن كنت لا تمتلك ذلك الإحساس العميق بالرغبة في تحقيق إنجازٍ ما، إن لم يكن لديك مشروع في الحياة فلستَ بحاجة للاهتمام بهذا المقال، وذلك أنه يخاطب المفعمين بالتحدي، والمولعين بالتطوير والتقدم، المتطلعين لتحطيم الأرقام القياسية، هم أولئك الذين يصورون أنفسهم بذلك العفريت المسجون في زجاجة.
فمع إشراقة كل صباح توزع الأرزاق، المادية منها والمعنوية، ويأتي كل واحدٍ منا نصيبه من القدرة البدنية والذهنية، فإن كنت من أرباب الأعمال، فأنت تملك زمام المبادرة، ولديك مساحات واسعة وأرض خصبة لتطوير أعمالك وتقديم كل جديد، كل ما عليك فعله هو استغلال تلك الآلة التي وهبك الله إياها، والقادرة على التفكير والإبداع، إنها آلة العقل.
أما إن كنت موظفاً، أي من العاملين بأجر، ذهبت تلك الهبة الربانية في الثماني ساعات الأولى من يومك، مقابل المال الذي تتقاضاه في نهاية كل شهر، وأياً كان منصبك أو درجتك الوظيفية ستستنفذ طاقتك الذهنية في تدبير الأعمال الرتيبة، لترجع إلى مأواك آخر النهار منهكاً خائر القوى تطلب الطعام والنوم لتبدأ يوماً آخر من جديد.
ولمن كان هذا دأبه فكيف له أن يحلق في فضاءات الفكر ويقطف ثماره ويسبر أغواره فضلاً عن أن يترك بصمةً في سجل الحياة، بل كيف له أن يساهم بإبداعاته في الحركات الأدبية والعلمية والثقافية التي تشكل وجدان المجتمع وتثري نواحيه وتلهم أفراده.
إن الموهوبين هم رأسمال المجتمع الذي ينتمون إليه، ورأس المال يستوجب الاستثمار فيه وتنميته، فهم رهبان المختبرات العلمية، ورواد الاختراعات والاكتشافات والبحث العلمي، وسوابق الإبداع والتفرد، وقامات الأدب والثقافة، من هنا تبرز الحاجة لإيجاد آلية لمعرفة وفرز أولئك، سواء في المراحل الدراسية أو في أماكن العمل، ومن ثم توفير الدعم لهم من خلال وضع البرامج والخطط الكفيلة بخلق الأجواء المناسبة لتحفيزهم على التألق والإبداع، والوصول إلى الحدود القصوى من الجهد والعطاء.
إنه ليس من الحكمة ولا من العدل إهدار طاقة العقل البشري الموهوب، أي القادر على التفكر والتحليل والاستنباط، في القيام بأعمال يمكن أن يقوم بها أشخاص لا يمتلكون تلك الموهبة، تلك الأعمال التي تعتمد على القوة الجسدية ولا تحتاج الكثير من التفكير.
لذا يواجه الأفراد الموهوبون صعوبات في الاستمرار في أي عمل رتيب، لأنه يؤدي إلى ضمور مواهبهم وانحسار مهاراتهم، فهم يشعرون أن طبيعة المسؤولية المناطة بهم لا تشبع طموحاتهم، ولا تروي شغفهم بالتفوق والنجاح، فما يمتلكون من قدرات بحاجة لرحاب أوسع من إمكانات البيئات الحاضنة لهم.
هذه ليست دعوة للتقاعس عن الكدح في طلب الرزق وتحقيق الحياة الكريمة، ولكنها دعوة للبحث عن التوازن بين احتياجات المعيشة، تلك التي تستهلك الجزء الأكبر من الطاقة الجسدية والذهنية ضمن إطار محدد لتحقيق أهداف معينة، وبين تنمية واستغلال ومشاركة خبراتك ومهاراتك المكتسبة عبر سنوات عمرك.
إنها دعوة لتلبية ذلك النداء الصارخ في أعماقك، نداء الإبداع والإنجاز والتميز، نداء العطاء ونقل المعرفة، نداء البحث والاستكشاف، إنه نداء الاستغلال الأمثل للوقت والخبرات والمهارات، إنه نداء البصمة، بصمة الأنا التي يبحث عنها أصحاب الهمم وذوي العزم...
وللحديث بقية
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

كن كالماء

26 أبريل 2018

بوصلة الأذكياء

27 نوفمبر 2017

كلام في الفكر

13 نوفمبر 2017

كن شجاعاً

09 نوفمبر 2017

حاجز الوهم

30 أكتوبر 2017