الثلاثاء 16 رمضان / 21 مايو 2019
10:46 ص بتوقيت الدوحة

سكون

‏«التدافع» قانون كوني!

‏بيّنة المري

الثلاثاء، 24 أكتوبر 2017
‏«التدافع» قانون كوني!
‏«التدافع» قانون كوني!
اعتقد الفراعنة أن النمس حيوان مقدس، وسُمّي بفأر فرعون؛ لأنه كان يتغذى على بيض التماسيح، الذي يكثر في نهر النيل، فيمنع أهل مصر من الوصول إليه، وهم في حاجة ملحّة إليه، بالإضافة إلى أنه كان يتغذى على الثعابين، وهي تكثر في مصر آنذاك. هذه العلاقة بين النمس والتماسيح والثعابين تُسمّى بسُنّة التدافع، وهكذا هو واقع البشر: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ}.
يعلّمنا القرآن أن سُنّة التدافع سرمدية، ولا يجوز تجاهلها، أو فرض نمط حضاري واحد لتفاديها؛ فهي التي مكنت المجتمعات والكيانات لتغدو السنن والنواميس، كما قال عماد الدين خليل: «مفاتيح ضرورية لفهم تدفق الحياة والوجود». ووعي واستيعاب أي مجتمع بسُنّة التدافع من عدمه ينعكس على سيره إيجاباً وسلباً؛ لأنها عامل جوهري للتغيير، والتطور، والتجديد، والتحول؛ فبدونها لا تستمر المجتمعات والحضارات، ويعتريها الهرم والشيخوخة، ثم الموت والفناء بسبب الجمود. يقول ابن خلدون: «التنازع عنصر أساسي من عناصر الطبيعة البشرية».
‏وهناك نوعان من التدافع البشري: النوع الأول هو التنافس، بمعنى أن كلاً من الطرفين يحصل على مكاسب معينة ويرضى بها، وهناك النوع الثاني وهو الصراع، ويقوم على المعادلة الصفرية، حيث يسعى فيها كل طرف إلى إنهاء الطرف الآخر. وللتدافع مجالات عدة، لكن يمكن اختزالها في ثلاثة مستويات: فهناك التدافع بين الأفكار كما يحصل بين الأصوليين، سواء كانوا إسلاميين أو علمانيين أو ليبراليين، وهناك التدافع على الأشياء مثل البترول ومصادر الطاقة والأسلحة النووية، وهناك التدافع بين التنظيمات سواء كانت أحزاباً أو دولاً.
وفي هذا الصدد يجب التفريق بين سُنّة التدافع والمؤامرة. الإنسان في العصر الحجري كان يعجز عن تفسير الظواهر الطبيعية مثل البرق والرعد، فيعزو ذلك إلى الأسطورة، وما زالت بعض العقول اليوم تفكر كما يفكر الإنسان الحجري، وترى أن الجهل والفقر والاستبداد بسبب أسطورة المؤامرة؛ لكي تتنصل من المسؤولية.
إن التاريخ ديناميكي، وهناك قابلية للتحول الحضاري وبقوة، وهذا يفرض على الجميع التمكن من مسوغات الوجود، ومنها سُنّة التدافع. قال محمد باقر الصدر: «وإنه لن يتأتى للإنسان الفعل المثمر والعمل المنجز، ما لم يدرك ويكتشف هذه السنن ويتحكم فيها، وإلا تحكمت فيه».
و‏المتأمل للتحولات الحضارية والتسيّد الواقعي لبعض الكيانات والمجتمعات، يدرك أن للتاريخ قوانين ونواميس مطّردة، وُجدت بين الفعل وردة الفعل؛ فالتاريخ ليس مجرد وقائع أو أحداث جزئية، بل هو علم يمكن أن نستخرج منه قوانين كلية لكل آن وأين.
‏ونواميس الكون الموضوعية لا تحابي أحداً، ومن لا يستفيد منها سيأكل القوت، وينتظر الموت، ويكون عرضة للانتخاب الطبيعي؛ فالبقاء للأصلح، وسُنّة التدافع تستمد مقوماتها من الآية: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

تدويل الأماكن المقدسة

13 فبراير 2018

العنف الديني

06 فبراير 2018