الجمعة 15 رجب / 22 مارس 2019
11:47 ص بتوقيت الدوحة

عندما ينهار كل شيء (1-2)

160
عندما ينهار  كل شيء (1-2)
عندما ينهار كل شيء (1-2)
في مختلف أنحاء العالم اليوم، يسود شعور بنهاية عصر، نذير عميق بتفكك مجتمعات كانت مستقرة في سابق عهدها. في أبيات خالدة من قصيدته العظيمة «المجيء الثاني»، يقول الشاعر ويليام بتلر ييتس:
«الأشياء تتداعى، ويعجز المركز عن الصمود
ويُطلَق العنان للفوضى تجتاح العالم...
فلا يجد الصالح سبيلاً للإقناع، بينما الطالح
تملؤه قوة متوقدة...
وأي وحش فظ هذا الذي يفيق أخيراً
ويمشي محدودباً صوب بيت لحم كي يولد؟»
كتب ييتس هذه الأبيات في يناير 1919، بعد مرور شهرين منذ وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها. وقد استشعر على نحو غريزي أن السلام سوف يتقهقر مُفسِحاً المجال لأهوال أعظم.
وبعد ما يقرب من الخمسين عاماً، وبالتحديد في عام 1967، اختارت الكاتبة الأميركية جوان ديديون «يمشي محدودباً صوب بيت لحم» كعنوان لمجموعة من المقالات عن الانهيارات الاجتماعية في أواخر ستينيات القرن العشرين. وفي الأشهر الاثني عشر التي تلت نشر الكتاب، اغتيل مارتن لوثر كنج الابن، وروبرت كينيدي، واندلعت أعمال الشغب في المدن الداخلية في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، وبدأ الطلاب الفرنسيون المحتجون التمرد الذي أطاح بالرئيس شارل ديجول بعد عام.
وبحلول منتصف السبعينيات، خسرت أميركا الحرب في فيتنام. وكانت منظمات مثل منظمة اللواء الأحمر في إيطاليا، ومنظمة الصمود تحت الأرض اليسارية في الولايات المتحدة، والجيش الجمهوري الأيرلندي، ومنظمة الفاشيين الجدد في إيطاليا، تشن الهجمات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا. وبفضل دعوى عزل الرئيس ريتشارد نيكسون تحولت الديمقراطية الغربية إلى مادة للسخرية.
واليوم مرت خمسون سنة أخرى، وبات العالم مرة أخرى نهباً للمخاوف حول فشل الديمقراطية. تُرى هل يمكننا استخلاص بعض الدروس من تلك الفترات السابقة التي اتسمت بالشك الوجودي في الذات؟
في العشرينيات والثلاثينيات، وأيضاً في الستينيات والسبعينيات، ومرة أخرى اليوم، كان اليأس من السياسة مرتبطاً بخيبة الرجاء في نظام اقتصادي فاشل. في فترة ما بين الحربين، بدا الأمر وكأن الرأسمالية محكوم عليها بالزوال بفِعل التفاوت المفرط بين الناس، والانكماش، والبطالة الجماعية. وفي الستينيات والسبعينيات، بدا الأمر وكأن الرأسمالية تنهار للأسباب المعاكسة تماماً: التضخم، وردود الفعل العكسية من قِبَل دافعي الضرائب والمصالح التجارية ضد سياسات إعادة التوزيع التي تتبناها «الحكومة الضخمة».
ولا يعني ذكر هذا النمط من الأزمات المتكررة أن قانوناً ما من قوانين الطبيعة يملي شبه انهيار للرأسمالية العالمية كل خمسين إلى ستين عاماً. ولكنه يعني إدراك حقيقة مفادها أن الرأسمالية الديمقراطية نظام متطور يستجيب للأزمات بتحويل العلاقات الاقتصادية والمؤسسات السياسية بشكل جذري.
ولهذا، ينبغي لنا أن نرى في اضطرابات اليوم استجابة متوقعة لانهيار نموذج بعينه من نماذج الرأسمالية العالمية في عام 2008. وإذا حكمنا من خلال تجارب الماضي، فربما تكون إحدى النتائج المحتملة عشر سنوات أو أكثر من البحث عن الذات والاستقرار، والتي قد تنتهي إلى تسوية جديدة لكل من السياسة والاقتصاد.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا