السبت 17 ذو القعدة / 20 يوليه 2019
08:47 م بتوقيت الدوحة

عودة قلم

انشغلوا بأنفسكم عنا

انشغلوا بأنفسكم عنا
انشغلوا بأنفسكم عنا
دون سابق إنذار، تحوّل منصب أمين عام مجلس التعاون، إلى ناطق باسم خارجية إحدى دول الحصار، وهو الأمر الذي يقول البعض إنه يتناسب جداً مع حقيقة أن المجلس لم يعد موجوداً، ربما كمنظومة عمل جماعية بعد الأزمة المفتعلة معنا. لم يستبعد بعض المسؤولين في دول الحصار تقليل عدد أعضاء المجلس، في الوقت الذي يؤكّد فيه آخرون أن المجلس تحوّل إلى مجلسين على الأقل بسبب السياسات الرعناء وغير الناضجة التي نراها.
كان من الأجدر للأمين العام أن يكمل صمته حتى يعذره الناس، ويقولوا إنه مجبر على السكوت أو محرج ربما، أمّا أن ينام خمسة أشهر على الحدث الجلل الذي أصاب المجلس من تجاوز لميثاقه، وتفتيت لوحدته، والعدوان على أحد أعضائه، ثم يخرج فجأة من حيث لا ندري للدفاع عن غَيِّ إحدى دول الحصار، فهذا يبعث على التأمّل والمراجعة.
هل من المنطق أن يُصدّق أحد ما يقوله الأمين العام، في وقت اتّهم فيه سفير إحدى دول الحصار في واشنطن السعودية بأنّها مسؤولة عن معظم الضربات الجويّة التي تستهدف المدنيين في اليمن، وأنّ هذا الأمر بات محرجاً ومزعجاً بالنسبة لهم وللإدارة الأميركية؟ وما هو المعيار المستخدم في التشكيك بتقارير أممية في الوقت الذي يتم فيه تقديس الهذيان الذي يخرج من دول الحصار ضد قطر؟
بدلاً من تحويل الأمانة العامة إلى منبر إعلامي لإحدى دول الحصار، كنّا نأمل أن يقول الأمين العام ولو كلمة واحدة في المحاولات المتكررة للاعتداء على سيادة قطر وحصارها، ومصادرة قرارها، ومحاولة تقويض الحكم فيها، وافتعال التفرقة بين مواطنيها.
على أية حال، فإن تخبّط دول محور الحصار والناطقين باسمها ليس جديداً بالنسبة لنا. بالأمس قالوا إنّ سبب الأزمة المفتعلة مع قطر هو العلاقة مع إيران، في الوقت الذي تبيّن فيه أنّ بعضهم يتمتع بأفضل العلاقات مع طهران، وبما يفوق تلك التي تربط الأخيرة بقطر. لم نضطر إلى الانتظار طويلاً بعدها لنرى العناق الحميمي، ومن ثمّ التزلّف البيّن لكسب ود الشخصيات المحسوبة على إيران في بعض البلدان العربية.
وما إن انتهى هذا المسلسل الرديء حتى شككوا بطبيعة علاقاتنا مع حماس، واتهموا الأخيرة بالإرهاب، ثم هرعوا لإقامة علاقة معها لمجرّد وضع قدم في غزّة، قبل أن يعودوا مجدداً إلى الأسطوانة المشروخة إياها، باتّهام قطر بدعم الإرهاب.
أنفقوا وما زالوا ينفقون مئات الملايين من الدولارات على حملات مضللة للتحريض علينا، في وقت أحوج ما تكون فيه دولهم وشعوبهم إلى هذا المال المهدور على شركات اللوبي والدعاية الأجنبية.
وبعد أن فشلوا في عدوانهم، استداروا إلى الداخل يشعلون الخلافات بين شعوب دول المجلس وبين الأهل والأقارب والأنساب، ويجرّمون التعاطف بين أهل البيت الواحد، ويعلون شأن الجاهلية الأولى باسم الحداثة تارةً، وباسم القبليّة طوراً، وما علموا أن الجاهل لا يعدم الوسيلة لإيذاء نفسه قبل غيره.
يحاولون دوماً التقليل من شأن قطر، لكنّهم لا يفوّتون فرصة للتعبير عن حقدهم وحسدهم -أو سمّه ما شئت- للإنجازات التي نحققها دوماً على المستوى الدولي. وفي كل خطوة نخطوها باتجاه التميّز والريادة سياسياً واقتصادياً وتعليمياً ورياضياً، ينفجر الكبت الكامن في داخلهم سخطاً على قطر. ما علموا أنّهم لو انشغلوا بأنفسهم نصف قدر انشغالهم بنا لحققوا لدولهم وشعوبهم ما سبقناهم به.
بالأمس يخرج علينا من يقول «إذا تخلّت قطر عن المونديال فالأزمة بين دول الخليج ستنتهي لأنّها مفتعلة من أجل هذا الغرض بالتحديد»! ويجن جنون كتّاب وإعلاميي دول الحصار بسبب تفوّقنا على مرشحهم في المنافسة التي تمت لمنصب مدير «اليونسكو»، بدعوى أنّ لديهم حقوقاً حصريّة باسم «آلاف السنين من الحضارة» في وقت هم غير قادرين فيه على الاستفادة من هذا الزخم الحضاري، لتوفير أدنى مقوّمات الحياة الكريمة لشعبهم.
ومع أن الإنجازات التي تحققها قطر ليست إنجازات شخصية بحدّ ذاتها، وتستدعي احتفاء كل عربي ومسلم بها، لكن للقوم منطق آخر، أو لا منطق على الأرجح! فكل ما يستطيعون فعله هو كيد الدسائس والتقليل من شأن العرب، بنقل معاركهم الشخصية المفتعلة إلى المنصات الدولية والتباهي بها.
وبعد كل تناقضاتهم، وبالرغم من حملات الترهيب والترغيب المستمرة، يستغرب البعض عدم وقوف أي من الدول المحترمة على المستوى الدولي إلى جانب دول محور الحصار. لكن وكما قيل، فإذا عرف السبب بطل العجب.
ففي غمرة الفوضى القائمة، تبيع هذه البلدان أملاك شعوبها وثرواتهم النفطية للخارج، وتكمّم أفواه المعترضين باسم الوطنيّة، وتحت غطاء صفقات التسلّح والمشاريع السياحيّة. وهم إن تفضّلوا مؤخراً على شرائح من المجتمع ببعض الحريّات المختارة بعناية بعد سنوات طويلة من الحرمان، إلا أن أمامهم طريقاً طويلاً ليكسبوا شرعيّة داخلية، وهو أمر من الأجدر أن ينشغلوا به بدلاً من انشغالهم الحالي في محاولة تقويض شرعية الآخرين، والتدخل في شؤونهم الداخلية.
نعم، قطر صغيرة بحجمها الجغرافي، لكنها كبيرة بدورها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، وليس أدل على ذلك من أنّ الاختلاف معنا يقوده محور من الدول، وتجمّع من وسائل الإعلام التابعة لها. لم يتركوا شيئاً إلا ووظفوه ضدّنا من المشايخ إلى المغنّين، مروراً بالمفتين والشعراء، وكل ما هو سيئ الصيت والسمعة، وبالرغم من ذلك فقد فشلوا فشلاً ذريعاً، ووضعوا أنفسهم في موقف مخزٍ وهم يردّدون أنّهم يريدون مواجهة هذه الدولة أو تلك.
في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح، فنحن لا نفتعل المشاكل الخارجية للتغطية على أزماتنا الداخلية، ولسنا بحاجة إلى إرشاد أو إلى قيادة من الخلف كما يجري في بعض الدول المجاورة. شرعيتنا راسخة، ومجتمعنا متماسك، واقتصادنا قوي، وتطلعاتنا في أوجها. ننظر إلى الأمام، وماضون في طريقنا رغماً عن أنف من لا يريد الخير لنا.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.