الإثنين 18 رجب / 25 مارس 2019
04:40 ص بتوقيت الدوحة

إلى أين ذهبت وظائف التصنيع الأميركية (2-2)

162
إلى أين ذهبت وظائف التصنيع الأميركية (2-2)
إلى أين ذهبت وظائف التصنيع الأميركية (2-2)
لأن هناك دوما درجة من الارتباك، فقد اكتسبنا منظورا أكثر دقة لما حدث من خلال النظر إلى وظائف العمال العاديين باعتبارها نسبة من إجمالي العمالة، وليس نسبة إلى العدد المطلق من العمال في قطاع التصنيع في أي وقت بعينه. والواقع أن الأمر لم يخل من انحدار شديد في حجمه وقوته لفترة طويلة في حصة وظائف التصنيع في الفترة بين الحرب العالمية الثانية والوقت الحاضر. وهذا يُكَذِّب التصور الشائع بأن التصنيع كان مستقرا لفترة طويلة، ثم انهار فجأة عندما بدأت الصين تحقق ما حققته من مكاسب.
في عام 1943، كان نحو 38% من القوة العاملة غير الزراعية في أميركا تعمل في قطاع التصنيع، وذلك نظرا لارتفاع الطلب على القنابل والدبابات في ذلك الوقت. وبعد الحرب، كانت الحصة الطبيعية من العمال غير الزراعيين في قطاع التصنيع نحو 30%.
ولو كانت الولايات المتحدة قوة صناعية طبيعية في فترة ما بعد الحرب مثل ألمانيا أو اليابان، فإن الإبداع التكنولوجي كان ليدفع تلك النسبة إلى الهبوط من 30% إلى نحو 12%. ولكنها انخفضت إلى 8.6%. وكان قسم كبير من التراجع إلى 9.2% راجعا إلى سياسات الاقتصاد الكلي المختلة، التي عملت منذ رئاسة رونالد ريجان على تحويل الولايات المتحدة إلى دولة تعاني من العجز في المدخرات، وليست دولة تتمتع بفائض في المدخرات.
ينبغي للولايات المتحدة، بوصفها دولة غنية، أن تعمل على تمويل التصنيع والتنمية في مختلف أنحاء العالم، حتى يتسنى للدول الناشئة شراء الصادرات الصناعية من الولايات المتحدة. ولكن بدلا من ذلك، اضطلعت الولايات المتحدة بأدوار متعددة هَدَّامة، فأصبحت غاسلة أموال العالَم، وضامنة المخاطر السياسية، وحاملة المال كملاذ أخير. وفي الدول النامية، كانت الأصول الكبيرة من الدولارات تعني عدم الاضطرار إلى المطالبة بشريان حياة من صندوق النقد الدولي.
أما بقية الانخفاض في حصة وظائف التصنيع، من 9.2% إلى 8.6%، فكان راجعا إلى تغير أنماط التجارة، بسبب صعود الصين في المقام الأول. ولم تساهم اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، خلافا لادعاءات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بأي قدر تقريبا في تراجع التصنيع. بل إن كل هذه «الاتفاقيات التجارية السيئة» ساعدت قطاعات أخرى في الاقتصاد الأميركي على تحقيق مكاسب كبيرة؛ ومع نمو هذه القطاعات، لم تنخفض حصة الوظائف في التصنيع إلا بنحو 0.1% فقط.
في هذا العصر الذي تجتاحه الأخبار الزائفة الكاذبة، وتغلب عليه الحركات الاجتماعية المصطنعة والحكايات المضللة، يتحتم على كل من يهتم بمستقبلنا الجمعي أن يصحح أرقامه، وأن يحرص على عرض الأرقام الصحيحة على المجال العام. وعلى حد تعبير أول رئيس من الحزب الجمهوري، أبراهام لنكولن، في خطابه بعنوان «البيت المنقسم»، «إذا عرفنا أولا أين نحن، وإلى أين نتجه، فسوف يتسنى لنا أن نحكم بشكل أفضل على ما ينبغي لنا أن نقوم به وكيف نقوم به».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.