السبت 17 ذو القعدة / 20 يوليه 2019
10:32 ص بتوقيت الدوحة

هل تقفز المها على تحديات الواقع الجيوسياسي؟

هل تقفز  المها على تحديات الواقع الجيوسياسي؟
هل تقفز المها على تحديات الواقع الجيوسياسي؟
منذ أن بدأت الأزمة الخليجية، وتجلى موقف دول الحصار، تنامى لدي إحساس بقسوة الجغرافيا، وذلك أن قطر تشكل امتداداً طبيعياً لشبه جزيرة العرب، ذلك الامتداد لا يقتصر على الأرض، بل يشمل جميع نواحي الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، وحتى الدينية، هذا ولم يخطر ببال أحدٍ أن يُقطع ذلك الشريان الرئيسي بحصار لا شك أنه مربك لعجلة التنمية، ومؤثر على الاقتصاد، فضلاً عن حالة الاحتقان الشعبي وآثارها النفسية التي خلفها ذلك الإجراء غير المسؤول، دون أي اعتبار للعهود والمواثيق الملزمة للدول الأعضاء في منظومة مجلس التعاون الخليجي، ودون أي احترام للآليات المتبعة لفض النزاعات في تلك المنظمة.
لم تكن الجغرافيا وحدها قاسية، بل كان للتاريخ موقف لا يقل وطأة أيضاً، وذلك عندما يجتزأ منه بمعزل عن سياقات الأحداث وظروفها ما يبرر سياساتٍ وإجراءاتٍ تعسفيةٍ، لقد دأبت دول الحصار منذ بدء الأزمة، وبطريقة مبرمجة مسبقاً، على توظيف الخلافات والمواقف السابقة بانتقائية مقيتة، تؤدي لتشويه المشهد، وشيطنة الخصوم، سعياً منها لشحن الرأي العام الداخلي والخارجي، ليس ضد حكومة قطر فحسب، بل تعدى ذلك إلى تعكير صفو لحمة القبائل والأسر الخليجية التي وجدت نفسها مستقطبة سياسياً في دولٍ لا تعطي أصلاً أية فسحة من حرية التعبير للمواطنين، الذين تسعى جاهدة لتوظيفهم لخدمة أجندتها السياسية، وتفرض العقوبات ضد من يصمت، فضلاً عن من يتخذ موقفاً مخالفاً لتلك الأجندات.
لقد كنت أتأمل المشهد الخليجي بكل أبعاده، وأستعرض خارطة الخليج العربي مدققاً في حدود قطر التي تحيط بها مياه الخليج، عدا الشريط الحدودي المغلق مع جارتها الكبرى، أقيس المسافات بينها وبين اليابسة على الطرف الآخر من الخليج، وأتفحص الجزر التابعة لها، وكأنني أبحث عن شيءٍ ما، وأتساءل:
كيف يمكن مواجهة تحديات الواقع الجيوسياسي؟
هل بالإمكان احتواء تلك التحديات ضمن مشروعٍ نهضوي حضاري؟
هل لدينا القدرة للقيام بقفزة عظيمة تضع أقدامنا على ضفاف الدول المتقدمة؟
كانت تلك أهم التساؤلات التي خطرت لي، وأنا أمعن النظر في جغرافية قطر وحدودها على خلفية الأزمة التي افتعلتها دول الحصار، قد نتفق أو نختلف على شمولية تلك الأسئلة، ولكن الإجابة عنها قد تكون مفتاحاً لمستقبل أفضل.

تحديات فاقت الواقع الجيوسياسي
لنرجع بالذاكرة إلى ما قبل خمسين عاماً تقريباً، حيث البدايات لإحدى دول ما يسمى بالنمور الآسيوية، والتي استقلت عن الاستعمار البريطاني في عام 1965، أي قبل ست سنوات فقط من استقلال دولة قطر، إنها دولة سنغافورة التي يطلق عليها البعض «معجزة آسيا الاقتصادية»، لقد بدأت سنغافورة من نقطة الصفر تقريباً، لتصبح خلال أربعين عاماً من أقوى اقتصاديات العالم، ويرتفع دخل الفرد السنوي فيها مما يقارب 240 دولاراً سنوياً، إلى ثالث أعلى دخل في العالم بعد قطر ولوكسمبرج، ليصل إلى ما يقارب 80 ألف دولار سنوياً، وذلك حسب أحدث التقارير التي صدرت في العام الجاري.
كانت بداية سنغافورة مليئة بالتحديات التي كان أقلها أهمية هو التحدي الجيوسياسي، ففضلاً عن مساحتها الصغيرة، والتي لا تتجاوز 700 كم مربع، وانعدام الموارد الطبيعية من نفط وغاز ومعادن، وشحٍ في المياه الصالحة للشرب، ونسبة بطالة تجاوزت الـ 14 %، وشعب ذي أعراق وثقافات وديانات متعددة، فضلاً عن كل ذلك فقد عصفت بها الخلافات السياسية والاقتصادية التي حدت من التعامل مع الدول المحيطة بها، وخصوصاً ماليزيا.
لقد سعى رئيس الوزراء السنغافوري آن ذاك السيد «لي كوان» لتحفيز الاقتصاد عن طريق طلب المساعدة الدولية، إلا أن سعيه باء بالفشل، ولم تمتد له يد العون، لقد ترك المجتمع الدولي سنغافورة لتواجه مصيرها بمفردها، عندها أدرك السيد «كوان» أن التغيير لن يأتي من الخارج، وأن عليه العودة إلى الداخل والاعتماد على النفس.
لقد اعتقد السيد «كوان» أن الاتجاه للتصنيع قد يكون هو الحل للعديد من التحديات، فشرع في تنفيذ برنامج اقتصادي شامل يعتمد على التصنيع كثيف العمالة، بحيث يحل مشكلة البطالة، إلا أنه واجه صعوبات مرتبطة بقلة الخبرة الصناعية لدى الشعب السنغافوري، حيث إن معظم السكان كانوا يعملون في مجال التجارة والخدمات، علاوة على ذلك عدم وجود سوق محلي يستوعب المنتج الصناعي، في ظل وجود عقبات أمام التبادل التجاري مع الجيران بسبب توتر العلاقة.

قفزة النمور الآسيوية
في ظل تلك الظروف الصعبة بدأ التفكير في القفز على التحديات والتواصل مع العالم المتقدم لاجتذاب الشركات المتعددة الجنسيات للتصنيع في سنغافورة، فبدأت الحكومة السنغافورية بإنشاء «مجلس التنمية الاقتصادية» ليتولى المهمة، ولكن كان على الحكومة أيضاً خلق مناخ آمن ومنظم وخال من الفساد، بالإضافة إلى قيامها ببعض الإصلاحات الاقتصادية المتعلقة بالضرائب، بمعنى آخر العمل على تذليل العوائق التي قد تؤثر على جذب الاستثمارات الأجنبية، وبسبب مستوى النزاهة والشفافية التي تحلت بها حكومة السيد «لي كوان»، والصرامة التي واجهت بها الفاسدين، كسبت الحكومة ثقة الشعب السنغافوري، فكان له دور فعال أيضاً في مساندة الحكومة في توجهاتها.
وعلى النقيض من دول الجوار التي كانت تعمها الفوضى والغموض، ويعصف بها الفساد، كانت سنغافورة تنعم بالاستقرار، وتسجل تقدماً حثيثاً في مستويات النزاهة والشفافية، وأصبحت مكاناً مثالياً للتصنيع والاستثمار والتصدير إلى الخارج، بعد أن استغلت موقعها الجغرافي، حيث تعد مدخلاً «لمضيق ملقا» الذي يمر من خلاله ما يقارب 40 % من التجارة البحرية العالمية، فأنشأت ميناءها الذي أصبح فيما بعد من أهم موانئ جنوب شرق آسيا.
وبعد مضي سبع سنوات فقط من استقلال سنغافورة، أي بحلول عام 1972م كان ربع المصانع في سنغافورة إما مملوكاً بالكامل لمستثمرين أجانب، غالباً أميركيين أو يابانيين، أو مشتركة مع مواطنين، ونظراً للنمو المتسارع للناتج المحلي وتعافي الاقتصاد السنغافوري بدأ التركيز والاهتمام بتنمية الموارد البشرية، حيث طلبت الحكومة من الشركات الأجنبية تدريب العمال السنغافوريين، وإكسابهم المهارات في العديد من المجالات الصناعية والتكنولوجية، والجدير بالذكر أنه بحلول عام 1970 أصبحت المنسوجات والإلكترونيات من الصادرات الأساسية، وفي عام 1990 أصبحت سنغافورة ثالث أكبر مركز لتكرير النفط في العالم، ومنتجاً رئيسياً للبتروكيماويات، إضافة إلى ذلك بدأ تصنيع الشرائح الإلكترونية الدقيقة، وأبحاث التكنولوجيا الحيوية، والأدوية، وهندسة الطيران، وما إن حل عام 2001 حتى أصبحت الشركات الأجنبية تمثل 75 % من الإنتاج الصناعي و85 % من الصادرات الصناعية.

مقارنة
لو نظرنا بعين المقارنة بين قطر وسنغافورة، على خلفية بعض الإحصاءات والمؤشرات الصادرة عن وكالة الاستخبارات الأميركية، كما هو في الجدول المرفق، لوجدنا تطابقاً في مجمل عناصر تلك المؤشرات، خصوصاً ما يتعلق بالتعليم والاقتصاد، في حين تتفوق قطر بمواردها الطبيعية من نفط وغاز، ومعدل دخل فرد يفوق بأكثر من 40 %، ومؤشر الدين العام الذي يعادل ثلث الدين العام لسنغافورة، ومعدل نمو يفوق بـ 25 %، ونسبة بطالة لا تذكر إذا ما تجاهلنا البطالة المقنعة، وبمساحة جغرافية تعادل أكثر من 16 ضعف مساحة سنغافورة، وكثافة سكانية ضئيلة جداً بالمقارنة.
وفي المقابل نجد أن الميزان لصالح سنغافورة عندما نتحدث عن مؤشر التنمية البشرية، ومؤشر الشفافية الدولية، ومؤشر الضرائب، ونسبة التضخم، وتنوع مصادر الدخل، والتصنيع والبحث التكنولوجي والطبي، وحرية الصحافة.

ولكن هل لدينا مشروع؟
لا شك أن الظروف الراهنة في منطقة الخليج المتمثلة في أزمة حصار قطر، وما كشفته من نقاط ضعف وقوة وضبابية في بعض الأحيان خلقت وعياً ملموساً لدى المجتمع القطري بالعديد من قضاياه، مما جعله مهيأً أكثر من ذي قبل للتفاعل الإيجابي مع الأطروحات الفكرية التي تُعنى بحاضره ومستقبله، كما أن هناك شعوراً عاماً بالوحدة والانتماء، بدأ يتنامى عند الغالبية العظمى من المجتمع، ينبغي توظيفه في المشاريع الوطنية النهضوية.
وبالنظر إلى الأداء الحكومي المتميز على الصعيد الداخلي والخارجي، والذي وضع قطر في مكانة مرموقة على خارطة العالم في العديد من المجالات، إضافة لما شهدناه من إدارة مؤسسية حصيفة في التعامل مع معطيات أزمة الحصار الراهنة، خصوصاً على الصعيدين السياسي والاقتصادي، إلا أننا ما زلنا في حاجة لمشروع نهضوي شامل، يضعنا في مصاف الدول المتقدمة، مشروعاً تتضاءل أمامه التحديات الجيوسياسية التي قد تشكل تهديداً محتملاً لمستقبلنا، يأخذ بعين الاعتبار تجارب الماضي، ومعطيات الحاضر، وتحديات المستقبل، ويهدف في المقام الأول إلى تعزيز القيم الإنسانية، وتصحيح بعض مكونات ثقافة المجتمع، ضمن منظور شامل، تكون أهم أولوياته تهيئة أفراد المجتمع ليكونوا أكثر تأثيراً وتفاعلاً مع قضاياه وتحدياته.

قطر سنغافورة
المساحة 11586 697
تعداد السكان 2.5 مليون 6 مليون
الدين العام (من الناتج المحلي) %30 %99
مؤشر التنمية البشرية 0.85 (عالمياً 33) 0.91 (عالمياً 10)
التعليم (يقرأ ويكتب) %98 %97
الإنفاق على التعليم %2.45 %2.94
البطالة %0.1 %2.2
التضخم %1.61 %0.04
معدل النمو %3.98 %2.92
الضرائب %40.2 %15.9
حرية الصحافة %36 %53
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

كن كالماء

26 أبريل 2018

بوصلة الأذكياء

27 نوفمبر 2017

كلام في الفكر

13 نوفمبر 2017

كن شجاعاً

09 نوفمبر 2017

حاجز الوهم

30 أكتوبر 2017