الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
02:54 م بتوقيت الدوحة

مصر التي ...

مصر  التي ...
مصر التي ...
من (مصر هاتبقى قد الدنيا) إلى (مصر شبه دولة) مرت رحلة السيسي في الضحك على عقول الكثير من المصريين، الرجل كان واضحاً في الحالتين، فالعبارة الأولى تعني أنها (مش قد الدنيا) وبعد سنوات قليلة قالها بعبارة صريحة إن مصر (شبه دولة)، هي محاولة فرعونية مارسها الملوك الفراعنة، فالملك الحالي يدخل في روع المصريين أن تاريخ مصر بدأ معه وحده، ولما كنا أمة لا تقرأ، فدائماً ما يصدق الغالبية أقوال الفرعون الجالس على العرش، ويمرر إعلام الفرعون هذه الكذبة، لذلك أهدي لمروجي الأكاذيب رأي هنري كيسنجر وزير خارجية أميركا عن مصر، فالرجل في الجزء الثاني من مذكراته يصف أهمية مصر في بداية السبعينيات بعبارة شديدة الإيجاز والوضوح يقول الرجل:
(وأصبح في يد مصر مفتاح دبلوماسية الشرق الأوسط، وكانت الضرورات الأساسية تعزز من موقفها، لأنها تغلبت بهيبتها وتقاليدها ونفوذها الأدبي وتضحياتها في سلسلة الحروب الإسرائيلية العربية، وهي أكثر عدد سكان بين البلدان العربية ونقطة الانطلاق الفكري في المنطقة، ويشكل مدرسوها العمود الفقري الثقافي في العالم العربي، وتستقطب جامعاتها طلاباً من المنطقة بأكملها).
يقرر الرجل أن مصر كانت لها (هيبة) و(تقاليد) و(نفوذ أدبي)، كما يشير الرجل إلى أن مصر هي التي تعلم الدول العربية، وأن مدرسي مصر هم عمودها الفقري، فهم ناشرو النور في الوطن العربي، كما أن جامعات مصر تستقطب طلاباً من كل الدول العربية، ولذلك فمفتاح الدبلوماسية في الشرق الأوسط كله في يد مصر وحدها... إضافة إلى تضحيات مصر في القضية الفلسطينية، يضع كيسنجر ببراعة يده على مناطق القوة في مصر وقتها، سيقول قائل إن هذه شهادة أن مصر في ظل عبد الناصر كانت قوية، ثم انحدرت في عهد السادات ومبارك، وهذا منطق مغلوط لأن (هيبة مصر) كانت قد ترسخت في العهد الملكي ففي العام ١٩٥٠ نشرت إحدى الصحف المصرية أن أوغندا تطلب الانضمام للتاج المصري لضمان حماية وادي النيل، أما عن نفوذها الأدبي فطه حسين والعقاد وشوقي وحافظ وغيرهم لم يكونوا أبناء العهد الناصري، أما عن العمود الفقري هم (مدرسو مصر) فالتاريخ يروي لنا أن مدرسي مصر انتشروا في العالم العربي بداية من الأربعينيات، فعلى سبيل المثال استقبلت دولة الكويت في العام ١٩٤٨ بعثة مصر التعليمية، والتي رأسها الأستاذ طه السيوفي مدير المعارف وقتها، ومعه حوالي 20 مدرساً مصرياً، كما أن العرب الأثرياء كانوا يرسلون أبناءهم للتعليم في مصر سواء في الجامعة المصرية أو حتى في المدارس، ولا ننكر أن عبد الناصر بعد استقلال الجزائر قام بإرسال كتيبة من المدرسين المصريين من مختلف المشارب إلى الجزائر.. كما غزت السينما المصرية العالم العربي، وشكلت الأغاني المصرية وجدان العرب، كما أن رجال الدين المصريين كانوا أحد أعمدة القوة الناعمة لمصر، فقد كان الأزهر الشريف شهادة انطلاق لأي رجل دين في الوطن العربي إلى مصاف العلماء، كما كانت الكنيسة المصرية رأس المذهب الأرثوذكسي في العالم، استطاع كيسنجر أن يصف آخر مراحل قوة مصر وما تبقى من هيبتها في السبعينيات.. لم يكن الفضل في هذه الهيبة لعبد الناصر، بل كان ناصر نفسه ورفاقه من العسكر الذين خلفوه هم من دمر التعليم في مصر، وكسر عموها الفقري (المدرس)، ومرمغوا بهيبتها في الوحل، وحطموا تقاليدها العريقة.. هذه هي مصر يا سيسي.. كانت قبلك وسوف تبقى بعدك مصر التي في خاطري.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

البشر والحجر

16 نوفمبر 2017

الإرهاب المحتمل

26 أكتوبر 2017

«يوم أن تحصى السنون»

16 أكتوبر 2017