الخميس 15 ذو القعدة / 18 يوليه 2019
11:41 ص بتوقيت الدوحة

الهجرة النبوية.. وجهة نظر

الهجرة  النبوية.. وجهة نظر
الهجرة النبوية.. وجهة نظر
كل عام والمسلمون بخير، جملة ستسمعها كثيراً أمس واليوم، بمناسبة ذكرى هجرة سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام. ذكرى الهجرة عبرت على أمة الإسلام ما يزيد على ألف عام، ومع ذلك حال المسلمين في تدنٍ متواصل حتى اليوم، وربما لألف عام قادم، والغريب أن السورة التي أتت على ذكر هجرة الرسول كانت سورة التوبة، وهي السورة التي نزل أغلبها بعد تسع سنوات من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا تأملت سورة التوبة ستجد أن الآية تتحدث في جزء منها عن الجهاد في سبيل الله، ورفعت الآية الجهاد إلى مصاف أفضل الأعمال عند الله (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) .
ولكن الآية تتحدث أيضاً عن أنواع أخرى من الهجرة والجهاد، ومنها مثلاً الآية التي حرمت دخول الكافرين بالإسلام إلى مكة (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)
ثم يقول سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ).
وهي هجرة تعني حرمان أهل مكة من أموال طائلة كانت تدخل مكة من جيوب الحجيج، ورغم أن عدد المسلمين في السنة التاسعة من الهجرة لم يكن أبداً يعوض كمّ الحجيج الذين كانوا يفدون إلى مكة من اليمن ومن مصر ومن الشام، وهم على أديان آبائهم وأجدادهم، ومع ذلك يقر الخالق قانوناً سماوياً يقضي بحرمان دخول كل من لا يحمل شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله إلى مكة، فمن من تجار مكة يخضع لهذا القانون الإلهي سوى التاجر المؤمن الذي يعلم أن هذا القانون يتطلب جهاداً كبيراً، وهجرة من جاهلية حريصة على المكسب الدنيوي، إلى عالم تتاجر فيه مع الله، ثم يدعو الله عباده إلى هجرة كل مكتسبات الحياة الدنيا الزائلة إلى مكتسبات باقية (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
الحقيقة أن سورة التوبة كلها تكشف لنا كيف أن الخالق قد قام بتشريح كامل للنفس الإنسانية، ومواطن ضعفها من التخاذل في القتال، أو النفاق، أو الجري وراء المكاسب، أو الهوان أمام علاقات قبلية، شرح الخالق كافة أمراض النفس البشرية، ووضعها أمامنا وخيرنا بين طريقين، وكشف لنا عواقب ومكاسب الطريقين، ثم تأتي آية هجرة الرسول (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
وهي آية أتت لتبيان أن هجرة المؤمن من حال إلى حال ليست فرضاً على المؤمنين فقط، وإنما كانت فرضاً على الرسول حامل الرسالة وقدوتها، وسبقت هذه الهجرة هجرة أخيه موسى عليه السلام من مصر إلى مدين، ومن مصر إلى سيناء، وسبقت هجرة موسى هجرة يوسف إلى مصر، كما هاجر نبي الله عيسى من فلسطين إلى مصر، فإذا كانت الهجرة كتاباً موقوتاً على أنبياء الله أفلا تكون قدراً على المؤمنين؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

البشر والحجر

16 نوفمبر 2017

الإرهاب المحتمل

26 أكتوبر 2017

«يوم أن تحصى السنون»

16 أكتوبر 2017