الأربعاء 14 ذو القعدة / 17 يوليه 2019
02:16 م بتوقيت الدوحة

‏فضيلة مراجعة النفس.. والتوقف عن الكتابة

‏فضيلة مراجعة النفس.. والتوقف عن الكتابة
‏فضيلة مراجعة النفس.. والتوقف عن الكتابة
(1)
في صيف عام 1994 كنت في الإجازة الدراسية، وأرسلت رسماً كاريكاتيراً إلى صحيفة الأحرار، التي تحولت في تلك الفترة من الصدور الأسبوعي إلى اليومي، برئاسة تحرير مصطفى بكري. كان الرجل وقتها رمزاً لجيل جديد يغزو الصحافة الحزبية.
كم كانت سعادتي لما وجدت الرسم منشوراً بالصحيفة. كان على ما أتذكر لمواطن عربي يجلس القرفصاء حزيناً على حال الأمة، ويحلم بمنقذ ينتشلها مما هي فيه. كان هذا المنقذ صورة في ذهن الرجل لجمال عبدالناصر، وقد كنت في تلك الفترة من دراويشه.
نشْر ذلك الرسم، جعلني أحلم أن أصبح مثل العباقرة ناجي العلي، وعلي فرزات، وبهجت عثمان، والفنان الليبي محمد الزواوي. كنت أتابع رسومهم بشغف، وأقلدهم في الرسم بدون تعليق. لكن في غلطة تاريخية ناتجة عن قلة الخبرة، قلت إن خطوطي ليست بالقوة الكافية، ولن أستطيع منافسة أي من هؤلاء العظام، ولذلك فالكتابة أفضل!
(2)
ربما إعجابي بكتابات الراحل الكبير محمود السعدني، وأستاذنا صلاح عيسى، متعه الله بالصحة، والراحل المبدع يوسف عوف، ومن بعدهم الكاتب المتميز عاصم حنفي، جعلني أحب الكتابة الساخرة. ومن هنا اخترت طريق الصحافة والكتابة منذ منتصف التسعينيات. وشاء القدر أن تكون «الأحرار» أيضاً أول صحيفة تنشر لي مقالاً مصحوباً بصورتي الشخصية، وكان ذلك عام 2001، حينما كان يرأس تحريرها المبتسم دائماً عصام كامل، ولذلك ستظل مكانة هذه الصحيفة -التي توقفت للأسف عن الصدور لأسباب مالية- كبيرة في نفسي. وما زلت أتذكر عنوان ذلك المقال جيداً «لطشة البرد الديمقراطية التي ستحمينا منها الحكومة!».
ثم تتابعت مقالات متفرقة لي في «الوفد»، حينما كان يرأس قسم الرأي بها الكاتب اللامع سليمان جودة، و»الأسبوع»، ثم «المصري اليوم»، إلى أن بدأت الكتابة بشكل منتظم في «العرب» منذ عام 2010.
في كل ما كتبت دافعت عما أعتقد أنه الصواب من وجهة نظري وحسب رؤيتي. لكن ليس من العيب أن يراجع الكاتب نفسه بين وقت وآخر، بل العيب ألا يراجع نفسه. في بعض الأحيان يكتشف الإنسان أنه أخطأ في الموقف الفلاني، أو أنه ظلم الشخص العلاني. في ذروة أي حدث تاريخي، ربما تكون الصورة مشوشة نتيجة زخم المعطيات، لكن بعد مرور فترة على الحدث تتضح الأمور، وتظهر تفاصيل الصورة كاملة. هذا ما حدث معي في كثير من المواقف، ومع شخصيات سياسية متعددة، بداية من عبدالناصر، ووصولاً إلى معمر القذافي، ومروراً بصدام حسين، وأنور السادات، وحسني مبارك، وغيرهم. وخلصت بعد خبرة السنين إلى أنه لا يوجد سياسي أو شخص يرقى لمصاف الملائكة، أو أنه من الشياطين. بل هو في النهاية «بشر» يصيب أحياناً، ويخطئ أحياناً أخرى.
(3)
ولأنني على قناعة بأنه من الحماقة عدم رؤية الصورة كاملة، فإنني أقول إنه أصابني نوع من المرض العربي الشهير «وَهْم امتلاك الحقيقة المطلقة»، وإنني «الصح» وغيري «الخطأ»، لذلك لم أرَ الصورة بكل تفاصيلها لما حدث في مصر يوم 30 يونيو 2013. قبلها كنت وملايين المصريين نؤيد استكمال «الرئيس المنتخب» فترته الرئاسية. لم يكن هذا التأييد من جانبي قائماً على مرجعية الدكتور محمد مرسي السياسية، أو خلفيته الفكرية، فقط التأييد لكونه «منتخباً»، ونفس التأييد كان سيحدث في حال فوز منافسه أحمد شفيق، أو أي مرشح آخر، وذلك إثراء للتجربة الديمقراطية الوليدة. فأنا لم أكن منتمياً في يوم من الأيام لأي حزب أو تيار سياسي بخلفية دينية، بل نشأت متأثراً جداً بابن محافظتي المناضل خالد محيي الدين الزعيم التاريخي لليسار المصري، وتشكّل تكويني ووعيي السياسي في طفولتي وصباي من صحيفة «الأهالي»، لسان حال حزب التجمع اليساري، خصوصاً في عصرها الذهبي، برئاسة تحرير الأستاذ حسين عبدالرازق، وكان يتولى إدارة تحريرها الكبيران صلاح عيسى والراحل «ابن الباشاوات» الأستاذ محمد سيد أحمد، ومعهم كتيبة رائعة من الرسامين العظام.. حجازي، وبهجت، وعز العرب، ورؤوف عياد، وجورج البهجوري، وغيرهم.
كانت كتابات الثالوث الكبير في «الأهالي» تؤكد دوماً على احترام الإرادة الشعبية، وما تفرزه صناديق الانتخابات، حتى لو أتت بمن تختلف معه سياسياً، وأن إسرائيل تتفوق دوماً على العرب لامتلاكها سلاحاً رادعاً لا يتوافر لدينا اسمه «الديمقراطية». وقد سبق وكتبت هذه المعاني مراراً وتكراراً في مقالاتي.
(4)
أقول إن مراجعة النفس فضيلة. وقد راجعت نفسي ليس الآن فقط، ولكن منذ أكثر من عام مضى، فاختلفت لهجتي في الكتابة ونظرتي للأحداث، وقد تخلصت من الداء العربي اللعين وهو -كما ذكرت- «وهم امتلاك الحقيقة». لذلك أرى حالياً الصورة واضحة وبمنتهى الواقعية.. إذا كان هناك ملايين انتخبوا الدكتور مرسي، فإن هناك ملايين غيرهم انتخبوا الدكتور الفريق أحمد شفيق، وقبلهم ملايين أحبوا مبارك، وبعدهم ملايين نزلوا في 30 يونيو يطالبون بالتغيير، وبالتالي كانت السلطة الحالية أحد إفرازات هذا التغيير.
هذا هو موقفي الذي لن يتغير، ويتلخص في حق الجميع في التعبير عن الرأي، وعدم الانتقاص من شأن أي رأي أو فصيل أو تيار، وأن قوة مصر الحقيقية أن يكون مجتمعها حياً نابضاً بآراء ورؤى مختلفة.
وقد آن الأوان بعدما وصلت لهذه القناعة، أن أتوقف وأستريح من عناء الكتابة مؤقتاً. كانت الكتابة مجرد وسيلة للتعبير عن الرأي، ولأنني بشر فقد أصبت وأخطأت، وحصدت في تلك السنوات محبة البعض، ولعنات البعض الآخر. وهذه سنة وسمة الحياة.
(5)
وقبل أن أمضي إلى حال سبيلي، فإنه من الواجب أن أتقدم باعتذار إلى أي شخص كبير أو صغير، قد جرحته برأيي، وأؤكد احترامي للجميع، وأنني لم أتعمد أبداً أن أسبب أي أذى لـ «إنسان» مهما كان، لكنها فقط «الكتابة الساخرة» التي من أهم مقوماتها «المبالغة». أتمنى كل الخير لوطني الغالي مصر، وأن يحفظه الله من شرور الإرهاب الذي يهدد المنطقة برمتها، ويحصد أرواح أبرياء من مواطنين ورجال جيش وشرطة، والذي تتطلب مواجهته، فضلاً عن التعامل الأمني، تشخيص جذوره ومسبباته السياسية، والاقتصادية، والفكرية، والاجتماعية.
كما أتمنى أن تكون الانتخابات الرئاسية المقبلة شبيهة بانتخابات النادي الأهلي، التي يحتار المرء فيها بين مرشحين محترمين.. الإداري الكبير الكفء المهندس محمود طاهر، والأسطورة موهبة وأخلاقاً محمود الخطيب.
وأياً كانت نتائج انتخابات 2018 التي يجب أن تشارك فيها كل التيارات واضعة نصب أعينها فقط مستقبل مصر، فإن الواجب على الجميع احترام نتائجها، وبعدها نسعى كلنا سلطة ومعارضة ومجتمعا لـ «مصالحة شاملة» تعيد التكاتف بين أبناء الشعب الواحد، ليكون وطننا مظلة للجميع بلا «إرهاب» أو «إقصاء»!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.