الثلاثاء 12 رجب / 19 مارس 2019
10:35 ص بتوقيت الدوحة

90 يوماً.. وعيدان من الانتصار

254

جابر الحرمي

الثلاثاء، 05 سبتمبر 2017
90 يوماً.. وعيدان من الانتصار
90 يوماً.. وعيدان من الانتصار
90 يوماً.. وعيدان.. مرا على قطر وهي تحت الحصار، الذي حوّلته قيادة قطر وشعبها مواطنون ومقيمون إلى ملاحم من الثبات، ومحطات من الانتصار، وتسابق إلى تحقيق المزيد من النجاحات والمكاسب على كل صعيد.
اليوم نكمل الشهر الثالث، نحتفل فيه بافتتاح رسمي لمنجز وطني مهم وهو ميناء حمد، بوابة قطر البحرية، الذي استطاع خلال فترة وجيزة أن يطلق عشرات الخطوط الملاحية مع العالم، في تحدٍ للتأكيد على قدرة هذا الوطن وأبنائه على التعامل مع كل التحديات بالكثير من الإبداع والابتكار، والتعامل مع الظروف والمستجدات المحيطة بإدارة واعية وذكية، وهو ما ينطبق على بقية الوزارات والمؤسسات الحكومية والخاصة، التي برهنت أن الحصار الظالم المفروض على قطر لن يعوقنا في البحث عن البدائل التي تجعل الحياة اليومية للمواطن والمقيم، ولكل المشاريع التي تنفذ على قدم وساق، تمضي قدماً دون التأثر بما كان يسعى إليه الذين نفذوا جريمة الاعتداء والقرصنة والحصار، فخابوا وخسروا، وردوا على أعقابهم خاسرين.
ثلاثة أشهر انقضت، وقطر تزداد شموخاً، وتزداد إصراراً على مواصلة طريق السيادة الكاملة، دون الرضوخ لأي مطلب أرادوا من خلاله الانتقاص من هذه السيادة أو القرار الوطني.
ثلاثة أشهر قدمت خلالها القيادة القطرية نموذجاً مشرفاً في إدارة هذه الأزمة التي افتعلها الظالمون، وباتت هذه الإدارة محل إعجاب وتقدير العالم شعوباً وأنظمة حرة، التي رفضت القبول بالسير في ركاب دول الحصار، رغم محاولاتها شراء الذمم بالأموال، ورغم الترغيب بالمغريات والصفقات، ورغم الترهيب والابتزاز لكل من الدول والشعوب، إلا أن الأحرار لا يمكن مساومتهم على مبادئهم، وهذا ما لا تفهمه دول الحصار، التي تعتقد أن كل شيء يمكن شراؤه بالمال.
قطر بعد الحصار تغيرت 180 درجة، ولن تعود لما قبل 5 يونيو 2017، سواء أكان ذلك على مستوى الإدارة في الداخل، أو الانفتاح على العالم، أو إدارة الأزمة بصورة مثالية إلى درجة كبيرة أبهرت دول العالم، أو الوعي الذي أحدثه هذا الحصار لدى كل من يعيش على هذه الأرض، مواطنين ومقيمين، وكيفية التعاطي مع الأزمة، أو الوحدة الوطنية التي تجلت بأبهى صورة، ووقفت دول الحصار عاجزة عن تفسيرها، بعد أن فشلت في الاقتراب منها، لا أقول اختراقها، وفي المقابل الثقة الكبيرة التي وضعتها القيادة في أهل قطر، فتركت لهم الخيار للتعامل مع الأزمة، دون أن تفرض عليهم قانوناً أو إجراء، كما عملت دول الحصار مع شعوبها، لغياب الثقة فيما بينها وبين شعوبها.
هل يعني ذلك أن قطر لم تتعرض لخسائر اقتصادية؟
لا.. بل لحقت بها خسائر اقتصادية، خاصة في الأيام الأولى، حيث كانت تكلفة النقل عبر الشحن الجوي مرتفعة، ولكن الطرف الآخر من دول الحصار تكبد، وسوف يتكبد خسائر اقتصادية على المدى البعيد بصورة أكبر، على عكس قطر، التي مع مرور الوقت تتأقلم مع البيئة المحيطة، ومع البدائل التي تنخفض تكلفتها تدريجياً، مع افتتاح محطات وخطوط ملاحية جديدة. لكنها كسبت احترام العالم أجمع، فكانت محل تقدير لما أبدته من حكمة في التعاطي مع الأزمة، دون الانزلاق إلى «مستنقعات» دول الحصار، فقد ظلت قطر قيادة وشعباً وإعلاماً وأقلاماً وتغريداً تتعامل برقي في أطروحاتها، رغم قساوة وبذاءة ما يصدر من الطرف الآخر.
والأهم من ذلك أن دول الحصار، خاصة السعودية، خسرت ما هو أكبر وأهم من ذلك، قد فقدت مكانتها في الإقليم، وعلى مستوى العالم العربي والإسلامي، فالسعودية التي كان ينظر لها إلى وقت قريب أنها الحضن العربي والإسلامي، لم تعد كذلك، ولن تستطيع إعادة ذلك على المدى القريب، وما بنته طوال العقود الماضية انهدم بإقدامها على ارتكاب هذه الجريمة المتمثلة بحصار قطر، وتتبع خطوات إمارة أبو ظبي، التي لن تتوانى عن «بيع» السعودية عند أقرب محطة عندما تنقضي مصالحها.
كما أن السعودية خسرت قطر، القيادة والشعب، وخسرت شعوب الخليج، وبدلاً من أن تسعى لإغلاق ملفات على أكثر من جبهة «غارقة» بها، إذ بها تفتح ملفاً بحصار قطر، سيظل يمثل جرحاً غائراً، خاصة أنه تم خلاله ارتكاب كل المحرمات التي كان من المستحيل الاقتراب منها، سواء أكان ذلك على الصعيد الأسري أو النسيج الاجتماعي أو القبلي أو الديني أو الثقافي أو الفني أو الإعلامي أو الرياضي.. لم يبقَ قطاع إلا وتم الزج به في هذا الحصار، مما يعني أن علاج آثاره سوف يستغرق وقتاً بل زمناً طويلاً، وهذا كله بسبب هذه «المراهقة» التي من المستغرب أن تصدر من السعودية وفي هذه المرحلة الدقيقة تحديداً، حيث يواجه الخليج، وتواجه الشعوب الخليجية مخاطر جمة على أكثر من صعيد، فيما تقوم دول الحصار الخليجية الثلاث بافتعال هذه الأزمة في هذا التوقيت الحساس، ضاربة عرض الحائط بتطلعات الشعوب الخليجية إلى الوحدة والتعاون، والغريب أن السعودية التي كانت حاملة راية «الاتحاد» هي التي ضربت أسس مجلس التعاون الخليجي بالشراكة أو القيادة من إمارة أبوظبي، التي تحمل أجندة تفتيت هذا الكيان الخليجي.
وكان الكذب «سيد» الموقف منذ اللحظة الأولى لاختراق وقرصنة وكالة الأنباء القطرية في فجر 24 مايو 2017، وما تلا ذلك من سيل عارم من الكذب والافتراء والدجل والفبركات من «الكبار» قبل «الصغار».
وحقيقة كنت في أشد الاستغراب، فالثقافة السائدة عند العرب من أيام الجاهلية، أن أشراف القوم وسادتهم لا يمكن أن يقتربوا من الكذب، حتى وإن كان ذلك سبيلاً لإنقاذهم، يفضلون الموت على أن تكتب عليهم «كذبة» واحدة، وهنا نتذكر جيداً موقف أبي سفيان بن حرب -قبل إسلامه- عندما استضافه ملك الروم هرقل ليسأله عن محمد -صلى الله عليه وسلم- في بداية بعثته، فقال هرقل: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل؟ (يقصد رسول الله)، فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسباً، فأدناه هرقل وأخذ يسأله عن الرسول، وحياته، وكيف كان بينهم..، يقول أبو سفيان بعد إسلامه: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذباً لكذبت.
رفض أبو سفيان في جاهليته أن يكذب، وهو يتحدث عن عدوه في تلك اللحظة، لأنه في عرف الأشراف وسادة القوم غير مقبول الكذب، حتى وإن كان على قطع رقبته، ولكن اليوم سادة القوم -إن كانوا كذلك- في هذه الأزمة يقودون مسلسل الكذب، ويتبارون فيه، ويدفعون لمن يكذب أكثر.
خسائر السعودية متعددة في هذه الأزمة، فما الذي ستجنيه المملكة مما أقدمت عليه تجاه قطر، بمثل هذا الحصار الجائر، لا يمكن لعاقل أن يصدق إقدام المملكة على مثل هذه الخطوة الجنونية.
مئات الأفراد والشركات السعودية التي تضررت بالخروج من قطر، التي كانت توفر لهم دخلاً كريماً للأفراد، وعوائد ربحية عالية للشركات، بسبب حجم المشاريع الكبرى التي تنفذ في قطر في مختلف القطاعات، وهي اليوم -الشركات السعودية، ومعها الإماراتية بالطبع- خارجة من هذه المشاريع.
قطر أقدمت على تغيير مصدر المورد، ولم يكلفها ذلك الشيء الكثير، بينما تلك الدول ستشكل هذه الشركات التي خرجت من سوق قطر، ولن تعود إليه، عبئاً عليها.
والطرف الآخر الخاسر أيضاً هو دبي، خاصة على صعيد سمعتها، فلن تستطيع إمارة أبوظبي مهما اشترت دبي بالمال أن تشتري لها سمعة دولية، فما بناه آل مكتوم طوال عقود من الزمن، يدمره آل نهيان في أشهر بسيطة، وربما هذا بدافع الانتقام من دبي، التي ظلت إلى ما قبل 2009 مستقلة بقرارها، وفي هذه الأزمة سيكون نزيف دبي حاداً، وتحديداً نزيف سمعتها الدولية، وهناك العديد من الشركات التي بدأت بتسييل أموالها والانتهاء من مشاريعها للخروج من دبي، كون هذه الإمارة لم تعد تملك قرارها، وأي خلاف سياسي مع أي دولة، سيدفع ذلك باتخاذ قرارات جائرة بحق مستثمري تلك الدولة، كما حدث مع مواطني قطر، فليس هناك ما يمنع من تكرار هذه الخطوة مع أي طرف كان، في ظل تفرد إمارة أبوظبي بالقرار دون دبي، وجميع الإمارات في هذه الدولة.
نحن اليوم في قطر لا نتحدث عن مرحلة الحصار، إنما انشغالنا الحقيقي بوضع استراتيجيات لما بعد الحصار، والتحالفات الجديدة التي تبنيها قطر، فقطر التي تلقت طعنات الغدر من الجار لن تقبل بأن تلدغ من جحر مرتين.
قيادة رشيدة، وإدارة حكيمة، وإرادة قوية، وشعب واعٍ.. قلب طاولة الحصار على المحاصرين، وخلق من هذا الحصار فرصاً عظيمة للبدء بمرحلة تاريخية جديدة من عمر هذا الوطن، الذي بالتأكيد، كما قال سمو الأمير المفدى حفظه الله ورعاه وأعزه وسدد على طريق الخير خطاه: «إن قطر ما بعد 5 يونيو 2017 هي ليست كما قبله»، فمناسبة الحصار ستظل دافعاً لنا لتحقيق المزيد من الإنجازات، وفي الخامس من كل شهر سنعلن عن إنجاز عظيم يحتضنه هذا الوطن، ولن تتوقف مسيرة الإنجازات في تواريخ محددة فحسب، بل سيتسابق الجميع، وزارات ومؤسسات وأفراد.. والقطاعان العام والخاص.. لإظهار طاقاتهم الإبداعية التي ستكون محركاً لتحقيق المزيد من الإنجازات والمكاسب، ضمن منظومة متكاملة اسمها قطر.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.