الأربعاء 17 رمضان / 22 مايو 2019
10:38 م بتوقيت الدوحة

متى تعتذر مصر؟

متى تعتذر مصر؟
متى تعتذر مصر؟
«لكل زمن رجاله»، بهذه العبارة البسيطة رد عليّ الصحافي الكبير بعد سماعه خبر تعيين أحمد موسى -المعروف بالعمل لصالح الأمن- داخل جريدة الأهرام ومجتمع الصحافة، فالرجل لا يدخر جهداً في الإبلاغ عن رفقائه في المهنة وتسليمهم للأمن تارة أو للغضب الشعبي تارة أخرى عن طريق الهراء الذي يقدمه عبر برنامجه التلفزيوني. حكاية ليست جديدة بل هي حكاية قديمة متجددة تظهر مع ميلاد أنظمة جديدة يغلب عليها التهريج وطغيان التطرف أكثر من أي شيء آخر.
وبين دفاتر التاريخ حكاية قديمة بطلاها «أنطوان لافوازيه» وهو كيميائي له اكتشافات عظيمة وله أبحاث في الغازات والاحتراق وله قانون كيميائي مسجل باسمه «قانون بقاء الكتلة».
فصول الحكاية بدأت حين ادعى بطلنا الثاني وهو «جان بول مارا»؛ وكان طبيباً ومنظرّاً سياسياً ومريضاً إلى حد الحماقة، ادعى أنه أظهر للعيان العنصر الخفي في النار، ويبدو أن «مارا» انتظر أن يبارك العالم الكبير والثري الأشهر «لافوازيه» اكتشافه العظيم، ولكن «لافوازيه» تجاهل الأمر ولم يتعامل معه بجدية، والثابت أن «مارا» ابتلع هذه الإهانة بمرارة شديدة، ولكن الظروف لم تكن قد حانت لينتقم «مارا» من «لافوازيه» حتى كانت الثورة الفرنسية التي أعدمت الملك، وهنا كانت الجماهير ملتهبة وغاضبة ووصل الأمر ببعضهم إلى التطرف في الانتقام من أي شخص وكل شخص، وأُطلق على أي مخالف للرأي لقب «أعداء الشعب»، فأصدر «مارا» جريدة اسمها «صديق الشعب». وكان الفرنسيون بعد قيام ثورتهم قد أصابهم شغف قراءة الجرائد، واتخذ «مارا» خط التطرف على طول الخط، وأقبل الفرنسيون على جريدة «مارا» التي كانت حماسية ملتهبة تنادي بالانتقام والمقتلة. في هذه الأثناء كان رأي بطلنا الأول «لافوازيه» ضرورة وقف العنف والتطرف لنجاح الثورة، وهنا حانت الفرصة لـ «مارا» للانتقام من «لافوازيه»، فكتب عنه في العام 1791م أنه «دجال ضخم الموارد، حبس باريس بمنعه الهواء النقي عن الفقراء بسور كلف الفقراء 33 مليوناً»، وطالب بإعدام «لافوازيه» على المقصلة، فهاجت الجماهير وبعض الثوار ضد «لافوازيه»، وتم اتهامه بعدة اتهامات، وحكم عليه بالإعدام، ونفذ الحكم يوم 8 مايو 1794م، وصودرت أمواله لصالح فرنسا وشردت زوجته.
لم يهنأ «مارا» برؤية إعدام «لافوازيه» فقد قُتل قبلها بعام واحد على يد متطرفة اسمها شارلوت كورداي؛ وكانت من دراويش «مارا» المتطرفين، فذات يوم دخلت شارلوت على «مارا» الحمام، وقد كان الحمام هو مكتبه المفضل نظراً لمرضه الجلدي، فأسر «مارا» لشارلوت بضرورة إعدام ثمانية عشر من نواب المجلس الوطني، وبعد نقاش تناولت شارلوت سكيناً وطعنته في قلبه ففارق الحياة، وحزنت عليه الجماهير الغاضبة.
وفي عام 1795م وبعد عام واحد من إعدام «لافوازيه» استنكرت الحكومة الفرنسية إعدام هذا العالم الجليل فأعادت أمواله إلى أرملته وأقامت ليسيه الآداب والفنون الفرنسية جنازة رسمية له ووضعت له تمثالاً نصفياً كُتب تحته «أنطوان لافوازيه ضحية الطغيان وصديق الآداب والفنون لم يمت ولا يزال يخدم الإنسانية بعبقرية».
والسؤال الآن كم عالم سجنهم وسحقهم النظام العسكري المصري من عام 1952 حتى الآن!؟ ومتى تعتذر مصر لأولئك العلماء!؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

البشر والحجر

16 نوفمبر 2017

الإرهاب المحتمل

26 أكتوبر 2017

«يوم أن تحصى السنون»

16 أكتوبر 2017

مصر التي ...

05 أكتوبر 2017

المستبدون الأحرار

28 سبتمبر 2017